تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكليات في الطب — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧

الكتاب السادس حفظ الصحة

[ 1 - ] الطب من ميدان الممكن وليس من ميدان الحتمي

1 - هذا الجزء هو أشرف الغايتين المطلوبتين بهذه الصناعة ، وهو بالجملة ينقسم أولا إلى قسمين : أحدهما يقال فيه كيف تحفظ الصحة . والآخر كيف تبطل الاستعدادات للأمراض المتكونة في الأبدان الصحيحة . وكأن هذا الجزء هو وسط بين حفظ الصحة وإزالة الأمراض . 2 - وهذه الصناعة إنما في قدرتها أن تحفظ أبداننا من الفساد الداخل عليها بالعرض ، وذلك يكون في الأكثر من تولد فضول الأغذية في أبداننا : فإنه من البين بنفسه أنه ليس بأي تدبير اتفق ، ولا بأي أغذية اتفقت ، تكون سلامة أبداننا على حالة واحدة . وهذا هو أحد الأصول الموضوعة في هذه الصناعة ، وإلا لم تكن صناعة فاعلة . وأما مقدار ما تبلغ من ذلك فهو المقدار الذي تبلغه الصنائع التي غاياتها ممكن على الأكثر حصولها . وأعني بذلك حصولها لأكثر موضوعاتها في أكثر الأزمنة . مثال ذلك أن التدبير الذي يصفه جالينوس للمعتدل المزاج هو تدبير يبلغ به في الأكثر من مزاجه ذلك المزاج أقصى ما في طباعه أن يبلغه من العمر . فإن الهرم الطبيعي وهو الذي يكون باستيلاء البرد واليبس لا تأثير لهذه الصناعة فيه ، وإلا أمكن أن يكون ناس خالدين . وهذا كله بين بنفسه . 3 - والسبب في أن غاية هذه الصناعة قد يخل وجودها في موضوعها على الأقل . هو السبب فيما يشبهها من الصنائع الممكنة كقيادة الجيوش والملاحة : وذلك ليس أكثر من الاستعدادات الهيولانية : فإنه غير ممتنع أن نتوهم شخصين معتدلي المزاج قد تدبرا تدبيرا واحدا ، أحدهما بلغ بذلك التدبير أقصى ما في طباعه أن يبلغه من العمر ، والآخر تولدت فيه عن ذلك التدبير أخلاط رديئة فقتلته ، وذلك من رداءة استعداد في مزاجه لتولد تلك الأخلاط . 4 - وإن كان لم يظهر لنا ذلك الاستعداد . لأن رب استعداد في الطباع ليس عليه علامة ولا دليل . إذ كانت الاستعدادات غير متناهية . ومن يرى أن ذلك التدبير الذي يصفه جالينوس لذلك المزاج يبلغ به ضرورة صاحبه أكلأ العمر فهو جاهل بجهة حصول غاية هذه الصناعة عن أفعالها ، على ما يرى ذلك ويعتقده عوام الأطباء . ومن هنا قيل إن الآجال بقدر ، وكذلك أيضا ليس يمتنع أن يكون إنسان مزاجه هذا المزاج يتدبر بغير هذا التدبير ويبلغ من عمره الغاية التي يبلغها من يتدبر التدبير الكثير