وليس يمكن في الحرارة الغريزية أن تفعل ذلك لرطوبتها وضعفها عن حرارة النار ، وذلك أن سهولة مثل هذا الاحتراق هو للشيء بضرب من العرض ، أي من قبل مسامه .
وأما ما كان كذلك في نفس جوهره فقياس النار في ذلك هو كقياس الحار الغريزي ، كالحال في قصب الذريرة .
وأما الأشياء التي لا تقبل الاحتراق فهي الأرضية أو المائية أو التي جمعت الأمرين .
فهذا هو القول في الدلالات التي لهذه الأعراض العامة على طبائع الأجسام المتشابهة الأجزاء .
وينبغي بعد أن نصير إلى القول في الطعوم والروائح والألوان ، وهي التي جرت عادة الأطباء بذكرها فقط . فنقول :
34 - القول في دلالات الطعوم
76 - إن أشهر أصناف الطعوم هو الحلو والدسم والمالح والمر والحريف والعفص والقابض والحامض والتفه . أما الحلو فهو يدل على مزاج معتدل الحرارة .
وهو بالجملة مناسب للمزاج الإنساني كما يقول جالينوس .
وأما الدسم فالغالب عليه الهوائية مع مائية ما ، ولذلك صار دون الحلو في الحرارة .
وأما المالح فالغالب على مزاجه جوهر يابس محترق خالطته رطوبة ما ، وهو فوق الحلو في الحرارة .
وأما المر فطبيعته طبيعة غلب عليها الجوهر اليابس الأرضي ، وذلك إما مع برودة وإما مع حرارة ، ويستدل على الذي يكون للبرودة أنه يصير بعد المرارة إلى الحلاوة ، وذلك إما بالطبيعة ككثير من النبات مثل البلوط والقرع وغير ذلك .
وأما الذي يكون عن الحرارة والأرضية فإنه يصير بعد الحلاوة إلى المرارة .
وكون المر بهذه الصفة يدل على أنه يوجد تابعا لهذين الصنفين من الأمزجة ، أعني البارد اليابس أو الحار اليابس ، كما أن اللون الأسود يوجد عن الحار والبارد .
77 - وهذا شيء قد أهمله الأطباء من أمر المر . وذلك أنهم إنما نسبوه إلى الحرارة فقط . وكيف والأفيون في غاية المرارة وهو مع هذا مخدر ، وإن كان لقائل أن يقول : إن الجزء البارد من الأفيون ليس هو المر ، لكن هذه الأشياء ، كما قلنا ، إنما ينبغي أن تتسلم هاهنا من صاحب العلم الطبيعي ، وهذا الذي قلناه من أمر المر قد تبين في كتاب النبات ( لأرسطو ) .
78 - والنوع من المرارة الذي يكون عن الحرارة هو أحر من المالح ، إذ كان المالح تخالطه رطوبة ما .