كالفواكه الخضر وأما الصلابة فإنها تدل على ضد ما يدل عليه اللين ، أعني على جوهر أرضي يابس ، وكأن الغلظ واللطافة واللين والصلابة إنما تدل على القوى المنفعلة في الشيء التي هي الرطوبة واليبوسة لا على القوى الفاعلة .
74 - وأما التكاثف والتخلخل فإنه يقال على وجهين :
أحدهما ، وهو الذي ينطلق عليه هذا الاسم ، أحق ذلك على زيادة الكمية في نفسها ونقصانها ، كما نرى العصير يتخلخل في الدنان المطموسة ، ويصير إلى كمية أعظم ، حتى إنه ربما شق الدنان .
ونرى أيضا الأبخرة تتكاثف في ذاتها فتعود إلى مقدار أصغر مما كانت ، وذلك من غير أن يخرج من المتكاثف شيء أو يزيد في المتخلخل شيء ، والسبب في هذا أن الهواء أعظم مقدارا من الماء والأرض .
فمهما قرب الشيء من طبيعة الهواء كان أعظم مقدارا ، ومتى قرب من طبيعة الماء والأرض كان أصغر مقدارا . ولذلك كان الأشياء المتخلخلة هوائية أي حارة رطبة ، والمتكاثفة باردة يابسة أو باردة رطبة .
ولكون التخلخل يكثر في الشيء الأجزاء الهوائية استعمل في خبازة الخبز التخمير .
ليسهل بذلك هضمه ، لأن الجوهر الهوائي أسهل انفعالا من جهة ما هو أرطب .
وقد قيل : إن الرطوبة سهلة الانحصار من غيرها بضد ما هي عليه اليبوسة . أعني أنها عسيرة الانحصار من غيرها ولذلك كانت عسيرة الهضم .
وأما الشيء الآخر مما يطلق عليه اسم المتخلخل والمتكاثف فهي الأشياء التي لها مسام واسعة ومسام ضيقة ، فإن التي لها مسام واسعة قد يطلق عليها اسم المتخلخل ، والتي لها مسام ضيقة ( يطلق عليها ) اسم المتكاثف والاعتبار في طبيعة هذه يكون في نفس جرمها ، لا في ضيق مسامها أو سعتها ، وإن كان الشيء إذا كانت مسامه واسعة قد يعين على هضمه من جهة أن ذا المسام الواسعة يسهل تفتته وانقسامه ، وذو المسام الضيقة بخلاف هذا .
75 - وأما الأشياء المحترقة فهي ضرورة إما نارية كالكباريت ، وإما هوائية كالتبن ولذلك كانت هذه سريعة الاستحالة في الهضم ، وذلك فيما شأنه منها أن يرد الأبدان .
لكن ينبغي ، كما يقول جالينوس ، إذا أريد أن يكون هذا السبار صحيحا ، أن يشترط في الدواء التكاثف واللطافة ، وذلك أن الشيء قد يتفق فيه أن يكون غليظا متخلخلا ، أعني ذا مسام كبار ، فينفذ النار في تلك المسام ، ويتمكن من إحراقه .
الكليات في الطب — صفحة 265
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٦٥