ومن الدلائل على ذلك أن البحار إذا اشتدت ملوحتها تمررت ، كما يقال ذلك في البحيرة الميتة .
ولذلك لا يعيش فيها حيوان لموضع المرارة : فإن هذا المزاج في غاية المضادة للحيوان ، وهو بالجملة في مقابل الحلو ، وإنما ضاده بيبسه ، ولذلك كان أقتل شيء للأطفال الذين هم في غاية الرطوبة .
وبالجملة فهذا الطعم ليس يكون في جوهر غذائي ، وإنما يكون في الأدوية .
وأما الحلو فإنه يكون في جوهر غذائي أو غذاء دوائي .
وأما الحريف فمزاج غلب عليه الحر واليبس مع اللطافة غلبة شديدة ، ولذلك كان أشدها حرارة . فهذه هي الطعوم التي تدل على أصناف الحرارة ، وهي في ذلك مراتب كما وصفنا .
وكل واحد منها له في نوعه مراتب : أعني أن الحلو منه ما هو حلو حرارته في الدرجة الأولى ، ومنه ما هو حلو حرارته في الدرجة الثانية . وكذلك المالح منه ما هو في الثانية وأمرّ من ذلك .
79 - وأما الطعوم التي تدل من الأدوية على مزاج بارد فهي العفصة والقابضة والحامضة والتفهة ، وإن كان التفه هو أن يكون عديم الطعم أحرى منه أن يكون ذا طعم لكل حاسة كما تبين في غير هذا الموضع تدرك محسوسها الخاص وعدمه .
والعفص والقابض من نوع واحد ، وإنما يختلفان بالأقل والأكثر ، وهما يدلان من مزاج الشيء على اليبس الشديد والبرد والعفص في ذلك أكثر من القابض .
وأما الحامض فإنه يدل على برودة خالطتها رطوبة ما ، وليست تخلو أن تكون برودة خالطته حرارة يسيرة ، وبذلك صار مقطعا ملطفا . ولذلك ما يتلو العفص والقابض في البرد . وأما التفه فمائي بارد .
فهو هو القول في دلالات الطعوم ، وهي أيضا قد لا تدل كل الدلالة على جوهر الشيء ، إذ قد يتفق أن يكون الدواء مركبا من أكثر من جزء واحد ، ويكون بعض تلك الأجزاء لا طعم له ، وبعضها له طعم ، لأنه ليس كل ممتزج له طعم ، كما لاح في غير هذا الموضع ، فيحكم الإنسان على جملة ذلك الدواء ، وذلك حكم على بعضه لا على كله .
ولهذا ما نرى كثيرا من الصموغ تفها وهي مع هذا حارة .
80 - وأما الروائح فليست فصولها عندنا بينة كفصول الطعوم ، ولذلك ليس لها أسماء كما للطعوم ، ما عدا قولنا رائحة منتنة ورائحة عطرة .
الكليات في الطب — صفحة 267
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٦٧