الغريزي الذي فيه ، بمنزلة ما يحكى عن النعام أنها إذا التقمت الذهب ثم أخرج عن أجوافها على الحين وجد قد نقص ، هذا مع عسر انفعال الذهب عن النار ! ولسنا نقدر أن نقول : إن ذلك من أجل أن الحرارة في هذا الحيوان أكثر من حرارة النار ، هذا مستحيل .
59 - وإذا كان ذلك كذلك فإذن إنما ذلك شيء تابع لجملة جوهر حرارة ذلك الحيوان . وهذا ، كما قلنا ، أظهر في الأغذية منه في الأدوية . وذلك أن الغذاء لما كان هو الذي في طباعه أن ينقلب جزءا من المغتذي حتى يصير هو هو بالنوع ، فمن البين أن هذه الملاءمة التي بين الغذاء والمغتذي ، إنما هي في جملة الجوهر . ولذلك ما قد يكون غذاء ما لحيوان ما سمّا لآخر كالخربق « 1 » للسمان والبيض للزرازير .
60 - وأما الدواء فمن حيث إنه يفعل في الأبدان كيفيات أول ظن أن ذلك قد يدرك بالقول . لكن مع هذا كله نجد جالينوس وسائر الأطباء قد راموا أن يضعوا قوانين يستدل منها على أفعال الأدوية في الأبدان الإنسانية ، وهي وإن كانت كما قلنا أدلة ظنية بل إن ذهبنا بها مذهب الترفيع نقول : إنها أكثرية لا ضرورية ، فإن لها منافع : إحداها أنها تنبه الإنسان إلى التجربة ، فإن ساعدته التجربة على ظنه قطع على ذلك .
ولهذا ما نسمع جالينوس يقول : إن الآلتين اللتين استنبطت بهما هذه الصناعة هما التجربة والقياس .
وأيضا فإن هذه الدلائل نافعة في المقايسة بين الأشياء التي شهدت التجربة أنها غذائية أو دوائية .
مثال ذلك أنه متى كان غذاءان ، أحدهما هش والآخر لزج ، قطعنا على سرعة استحالة الهش : إذ كان تقسمه عن الحرارة أسرع ، وبالجملة انفعاله . وأيضا متى ارتضنا في هذه الأشياء ورمنا أن نعطي فيها الوجود والسبب معا ، وعسر ذلك ، كان سهلا علينا إذا شهدت التجربة لشيء ما أن نعطي السبب في ذلك . وبالجملة فبهذا النظر تكون هذه الصناعة قياسية ، ويمكننا أن ننتقل من دواء إلى دواء ومن غذاء إلى غذاء عندما نقصر عما قصدنا إليه في المعالجة .
61 - وأما من ليس عنده من معرفة الأدوية إلا التجربة فقط فليس يمكنه ذلك وقد أطال جالينوس في الفرق بين القوتين « 2 » ، إلا أن الأدلة والسبارات التي أعطاها
هامش
( 1 ) خربق : نبات ورقه كلسان الجمل ، أبيض وأسود ينبت في أماكن جبلية .
( 2 ) هما التجربة والقياس .