وأما الرطوبة واليبوسة فليس يكون عنهما وجع ، بل إنما يكون عن الرطوبة ثقل فقط .
ويستدل على الرطوبة بثقل الرأس وكثرة النوم وكدر الحواس ، وعلى اليبوسة بأضداد هذه الأعراض .
وربما كان هذا المزاج العارض للرأس حادثا فيه حدوثا أوليا ، وربما كان من عضو آخر . وأكثر ذلك إنما يكون عن المعدة .
ويستدل على ذلك بالصداع الذي يهيج عند تهوّع المعدة أو خلوها عن الطعام أو فساد الأغذية فيها .
وبالجملة أن يتزيد مرض الدماغ بتزيد مرضها ، وينقص بنقصانه .
وربما كان بمشاركة العرقين السباتيين ، كما يعتري في الصداع المسمى شقيقة .
ويستدل على ذلك بالعلامات الدالة على امتلاء الرقبة ، وربما كان ذلك بمشاركة جميع البدن .
ويستدل عليه بالعلامات الدالة على أحد صنفي الامتلاء .
ويحدث بالدماغ جميع أصناف الأورام الحارة والباردة .
والاستدلال هاهنا على العضو الآلم وعلى المرض قد يكون من الأفعال الخاصة به ، وذلك أن الدماغ إذا أصابته مثل هذه الآفة تبعها اختلاط ذهن ملازم .
وإنما قلنا ، « ملازم » ، فرقا بينه وبين الاختلاط الذي يكون بمشاركة عضو آخر ، كالذي يعرض عن ورم الحجاب .
فأما كيف يستدل من هذه الأعراض الداخلة على الأفعال على نوع المرض الفاعل لذلك فإن الذي يكون منها صفراويا يعرض لصاحبه خيالات رديئة ، ويخيل إليه كأن زئبرا على ثيابه فهو يلتقطه ، ويصيبهم سهر ، وإذا انتبهوا ، انتبهوا مذعورين .
وأما الذي يكون عن الدم فإن السهر فيهم يكون أقل ، ويعرض لهم ضحك وانبساط ، كما أن الذي يكون عن الصفراء يكون مع غضب وسوء خلق .
وأما الذي يكون عن السوداء فإن فساد الذهن فيه يكون مع جزع شديد وخوف وبكاء .
وأما الذي يكون عن البلغم فإنه يكون عنه تعطل في القوى النفسانية لا تزيّد منكر .
172 - وأما العلامات الخاصة بغلبة خلط خلط من هذه الأخلاط على الأورام الحادثة في الدماغ فهي علامات غلبة الأخلاط ، مثل حمرة الوجه والعينين وحرارة
الكليات في الطب — صفحة 223
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٢٣