فمن دونه ، هو أن الخلط المستعد للعفن ليس يعفن كله دفعة واحدة ، إذ كان غير متشابه الاستعداد للعفن ؛ وإنما يعفن شيئا فشيئا .
وذلك يجري على نظام وترتيب : إذ كان هذا الفعل طبيعيا بوجه ما ، أعني أن الطبيعة لها تدبير في هذا الفعل . وذلك أنه عفن مع نضج .
ولذلك عدم النظام في النوائب دليل رديء .
ولهذا المعنى ليس ينبغي أن ينسب هذا الفعل إلى الحرارة العفونية ، بل إلى الحرارة الطبيعية من جهة ما هي فاعلة في مادة غير طبيعية .
113 - وكون جالينوس يروم أن ينسب هذا الفعل لحرارة عفونية بالذات ، أعني انتظام النوائب بسبب الزبل الذي شاهده ، هو منه حجة واهية غير جارية على أصوله .
ولذلك نرى أن فاعل النوبة هي الطبيعة بالحرارة الغريزية ، وإن كان قد عرض لها بعض خروج عن الطبع في الكمية والكيفية ، وذلك لفعلها في مادة غير طبيعية وهي الخلط .
ولذلك كان ما يعرض لها من الخلط في مثل هذا الحال شبيها بما يعرض لها مع الغذاء مع أن يبرد البدن أولا ، ثم يسخن ثم يبرد ، لا فرق بينهما إلا أن ما يعرض للبدن من ذلك مع الغذاء طبيعي لكون الغذاء طبيعيا ، وما يعرض مع الخلط غير طبيعي : أعني من انغمار الحرارة من المادة أول ما تباشرها ، وتزيدها عندها تستولي عليها ، ورجوعها إلى حالتها الأولى عند تمام نضج المادة .
وقد بينا هذا في تلخيص كتاب الحمّيات لجالينوس .
وهذا النظام والترتيب يختلف أيضا بحسب طبيعة الخلط الفاعل للحمى وكميته كما سنقول بعد .
114 - وأما السبب في كون الحميات التي في العروق غير مفترة ، فهو أن الجزء من الخلط العفن إذا اشتعلت فيه الحرارة العفونية ليس يمكن الطبيعة أن تحلله وتخرجه من الجسم حتى يشتعل جزءا جزءا ، وذلك لموضع صلابة العروق ؛ لكن ضرورة يكون وقت النوبة فيها أقوى .
ولهذا السبب بعينه ليس يكون عنه نافض ، لأن ما يتحلل منه غير محسوس بالإضافة إلى الأعضاء الحساسة .
115 - وأما العفونة التي تكون في الهضم الذي في الأعضاء أنفسها فإن الأمر فيه بضد هذا : أعني أن الأعضاء متخلخة بالمسام التي فيها ، ولذلك كانت نوائب هذه الحمى
الكليات في الطب — صفحة 194
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٩٤