بالمتفاوت ولا بالمتواتر ، دل ذلك ضرورة على اعتدال مزاج القلب في الحرارة والرطوبة .
وهذا النبض إنما يحس أكثر ذلك في الأناسي الذين ينشؤون في الإقليم المعتدل ، من غير أن تعرض لهم عوارض من خارج .
ويشبه أن يكون تولد مثل هذه الشخوص في الإقليم المعتدل ، وفي البلد المعتدل منه كبلدة أبقراط وكثير من بلاد اليونانيين أكثريا .
ولذلك ما يقول جالينوس في أهل البلاد الحارة : إنهم لو تكلفوا جهدهم أن يرونا مزاجا معتدلا لما أمكنهم ذلك .
وليس لقائل أن يقول : إن النبض العظيم هو الطبيعي ، إذ كان قد يوجد كثيرا في الأقاليم غير المعتدلة ، كما أنه ليس للإنسان أن يقول إن اللون الأسود هو الطبيعي ، إذ كان ليس يوجد في بلاد الحبشان أبيض واحد .
8 - وأما التنفس فحاله في اعتداله دليل أيضا على اعتدال مزاج القلب ، هذا إن لم تكن آلات التنفس أعظم نسبة إلى القلب مما ينبغي ؛ فإنه إذا كان الأمر فيها هكذا كان التنفس المعتدل بالإضافة إلى القلب غير معتدل ، بل مفرط ، فإنه ليس يمتنع أن يكون مزاج القلب حارا ويكون الصدر والرئة قد اتفق لهما أن كانا أعظم مما ينبغي أن يكونا عليه بحسب مزاج القلب ، فيكون التنفس غير العظيم لسعة مجاريها وعظمها يفعل ما يفعله التنفس العظيم ، إن لو كانت الرئة والصدر مناسبين لخلقة القلب ، وإن كان عظم الصدر والرئة تابعين في الأكثر لحرارة القلب .
9 - وأما ما يستدل عليه من هيئة الأعضاء ، فإن الصدر متى كان متوسطا بين العظم والصغر دل دلالة أكثرية على اعتدال مزاجه ، وكذلك يدل على اعتدال مزاجه دلالة ضرورية اعتدال مزاج الكبد أو اعتدال مزاج الدماغ أو كليهما ؛ فإنه ليس في الكبد ولا في الدماغ حرارة تخصهما إلا حرارة الأجزاء المتشابهة التي بها تركبا .
والحرارة التي بها يفعل كل واحد منهما فعله هي ضرورة الحرارة الواصلة إليه من القلب .
وهذه الحرارة هي التي تتنزل من هذين العضوين منزلة الصورة .
وأما الحرارة التي تخصهما فمنزلتها منزلة المادة .
ولما كان اعتدال الشيء وكمال فعله إنما هو بصورته وجب ضرورة ، إذا كان هذان العضوان معتدلين ، أن يكون اعتدالهما إنما هو بصورتهما .
واعتدال صورتهما إنما هو ضرورة باعتدال المعطي لهما تلك الصورة ، وهو القلب .
الكليات في الطب — صفحة 156
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥٦