يحدث ، أو لا إمكانه مما لما يشاهد ، إلا بطريق تخميني ، وذلك في الأكثر .
بل سبيل جميع الأمراض هاهنا أن تثبت بالحس والمشاهدة ، ثم نعطي فيها الأسباب .
والسبب في هذا معطى في غير هذا الموضع .
156 - وأما السكتة فهي سقوط الإنسان بغتة على الأرض ، وانقطاع صوته وجميع أفعال الحركة في جميع البدن ، ما خلا التنفس : فإنه إذا انقطع في هذه الشكاية مات العليل .
ولذلك ما يستدل على شدة هذه الشكاية وضعفها من التنفس ، أعني أنه إذا كان التنفس فيها عسيرا مستكرها دل على عظمها ، وإذا كان سهلا دل على خفتها .
وأبقراط يقول : إن السكتة إذا كانت ضعيفة لم يسهل برؤها ، وإذا كانت قوية لم يبرأ صاحبها .
فأما سبب هذا المرض فإنه يكون ضرورة من تعطل مبدأ الحركة الكلية والجزئية .
ولما كان قد تبين أن للحركة الكلية مبدأين :
مبدأ أول وهو القلب ، ومبدأ ثان وهو الدماغ ، وكان الدماغ إنما يفعل فعله بالقلب ، فقد يجب أن تحدث بالدماغ في هذه العلة آفة عامة . وذلك ضرورة :
أ - إما بانسداد مجاري الروح التي بين القلب والدماغ ، وهي العروق المسماة شرايين .
ب - وإما بانسداد بطون الدماغ انسدادا تاما : إما لأن بطون الدماغ إذا انسدت منعت الروح النفساني الذي ينبعث منه إلى جميع الأعصاب التي بها يكون الحس والحركة ، إن كان ينبعث من الدماغ روح نفساني على ما يراه جالينوس ، كما ينبعث من القلب روح غريزي ، وإما لأن مزاج الدماغ إذا فسد فسد التعديل الذي يوجد منه للحار الغريزي ، حتى لا يفعل الحس والحركة ، على ما تقرر من هذه الأشياء في العلم الطبيعي .
ج - وإما أن يحدث هذا المرض لآفة نزلت في بطون القلب ، فليس يمكن ذلك لأنه متى حدثت آفة في هذه البطون مات العليل من ساعته .
157 - وإذا تقرر بالبرهان أن الآفة التي هي سبب هذه الشكاية تحدث في هذين الموضعين ، فقط يظهر لك من هذا صدق ما قاله أبقراط في أعطاء سبب هذه الشكاية .
وما قاله جالينوس أيضا .
وذلك أن أبقراط قال : من انقطع صوته بغتة وسقط على الأرض فإن آفته انطباق العروق يعني الشرايين التي بين القلب والدماغ .
وقد اعترف جالينوس بكون هذه العلة حادثة عن هذا السبب في كتابه في العلل
الكليات في الطب — صفحة 152
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥٢