ولذلك ما نحدس أن هذا المرض إنما يحدث عن ريح تتولد إما في الدماغ نفسه ، وإما في عضو آخر ، وتترقى منه إلى الدماغ ، كما حكى ذلك جالينوس عن الفتى الذي كان يحس كأن ريحا باردة تصعد من بعض أعضائه ، ثم يصرع وقد كانت هذه المشاهدة من أمر هذا الفتى كافية في أن سبب هذا الألم ، إنما هو ريح .
وحكى الرازي في الحاوي أن هذا هو مذهب أرسطو .
لكن هذه الريح ، ضرورة ، هي مضارعة للأخلاط الباردة الرطبة أو الباردة اليابسة .
ومثل هذه الأخلاط إذا كانت في البدن هي هيولى هذه الريح .
ولذلك كان شفاء ، من شأنه أن يقبل الشفاء من أصحاب هذه العلة ، باستفراغ تلك الأخلاط منهم ، ومع هذا فقد حكي أنه قد يكون هذا العارض عن خلط مراري ، ولست أمنعه : فإن سرعة انقضاء النوبة يشهد بذلك .
وقد ترى الذين يصرعون بمشاركة معدهم إنما يعتريهم ذلك في الأكثر عند الجوع الشديد والصوم ، أو عند ضيق الحلق .
فهذا أيضا دليل على أن الخلط الفاعل لذلك خلط مراري .
وجالينوس يستفرغه بأرياج الفيقرا .
وقد علمنا أن الصبر إنما يخرج أحد أمرين : إما صفراء وإما خلطا شابته صفراء .
وزعم بعضهم أن هذا المرض قد يكون عن سوء مزاج غير مادي بارد يابس ، وهذا يبعد لكون هذا المرض إنما يصيب في الأكثر بأدوار .
وأيضا فلو كان عن سوء مزاج غير مادي فإنما كان يكون عن الأشياء التي من خارج ، لأن سوء المزاج غير المادي الذي يكون سببه سوء مزاج مادي هو عسير الانقلاع .
وليس يمكن عن مثل هذا أن تعتري نوبة الصرع .
وإذا كان ذلك كذلك فإنما يكون هذا النوع من الأشياء التي من خارج ، لأن سوء المزاج المتولد عن مثل هذه الأشياء أعني التي من خارج سريع التحلل .
لكن يبعد أن تبلغ رداءة دماغ إنسان ما أن يصرع عن الأشياء التي من خارج :
أعني الهواء البارد .
لكن هذا الذي قلناه إنما هو استبعاد ، فإن شهدت التجربة بذلك فيشبه أن يكون قليل الوقوع .
155 - وينبغي أن تعلم أنه لا سبيل إلى الوقوف في هذا العلم على إمكان مرض
الكليات في الطب — صفحة 151
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥١