152 - فأما الدوار فإن الفاعل له خلط ريحي يصعد إلى الدماغ ويتحرك هناك فيحس الإنسان كأن الحركة من خارج .
وذلك معروف من فعل الحواس ، فإنها وإن كانت المحسوسات إنما تحركها من خارج فقد تعود فتتحرك أيضا عن الأخلاط التي من داخل ، فإن ساء مزاج الدماغ جدا بذلك التموج سقط السدر على الأرض كأنه مصروع . وهذا البخار قد يتولد في الدماغ نفسه ، وبخاصة في الشرايين ، وقد يصعد إليه من المعدة أو غيرها من الأعضاء .
153 - وأما الكابوس فهو أن يحس الإنسان في النوم كأن شيئا يضغطه ويثقله ولا يقدر هو على النهوض . ومن البين أن ذلك إنما هو تعطل ما في القوة المحركة ، إلا أنه لما كان ينحل بسرعة ظن أن الفاعل له إنما هو خلط بخاري يصعد إلى الدماغ فيخدره بكيفيته .
154 - وأما الصرع فهو سقوط الإنسان بغتة مع تشنج يعتريه في جميع بدنه ، فيتحرك بذلك حركة منكرة إلى أن يزبد . فيكون الإنسان يسقط إلى الأرض ويفقد حواسه وجميع قواه النفسانية دال على أن ذلك الألم في الدماغ . وكونه تتشنج أعضاؤه مع حركة منكرة دليل على أن هذا النوع من التشنج هو الذي يعتري عن حركة القوة الدافعة واجتماع الأعضاء إلى نفسها لتدفع الشيء المؤذي ، وبخاصة الدماغ ولذلك ما ترى أن هذا الخلط في غاية المضادة لمزاج الدماغ : إما بإحدى كيفياته وإما بصورته .
والدليل على أن هذا النوع من التشنج ليس هو الذي يكون لموضع رطوبة العصب واستنقاعه ، سرعة تحلل هذا العارض .
وأما الخلط الفاعل لهذا العارض فيلزم ضرورة من سرعة انقضاء نوبته ومدته أن يكون لطيفا على ما شأنه أن يوجد الأمر في الأمراض الحادة .
لكن لما رأينا أكثر الذين يعتريهم هذا المرض أمزجتهم باردة رطبة كالصبيان ، أو باردة يابسة كالكهول ، وبالجملة فالأعراض التي تظهر على أكثر من يصيبه هذا الألم تدل على أن الفاعل له خلط غليظ ، وكان الخلط الغليظ بما هو خلط غليظ ليس يتحلل بسرعة ، كان جاريا على ما يقول جالينوس في مجار واسعة أو ضيقة .
لأن معنى التحلل ليس شيئا أكثر من أن تستولي الطباع عليه فتنضجه وتغتذي بما شأنه منها أن يقبل التغذي وتدفع الباقي .
وهذا ليس يتفق في الخلط الغليظ بما هو خلط غليظ .
إلا في زمان له عرض على ما أعطته المشاهدة في الأمراض .
الكليات في الطب — صفحة 150
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٥٠