سوء مزاج حادث في الدماغ فقط دون تورم . وهذا أيضا ربما كان في الدماغ نفسه وربما كان بمشاركة غيره من الأعضاء . كما يعتري ذلك في الحميات الحادة من الأبخرة الصاعدة من المعدة إليه ، وربما كان هذا مع تورم . والتورم ربما كان في نفس الدماغ وربما كان في الحجاب أو عن الأورام التي تكون في فم المعدة .
وأما الفساد الذي يعرض عن سوء المزاج السوداوي فيخصه فزع من غير سبب ، وأفكار رديئة وهموم وسوء ظنون ، وخوف أمور غير ممكنة الوقوع .
وإذا كانت هذه السوداء محترقة شابتها أعراض الصفراء ، فكان عن ذلك توثب وتهور وأخلاق سبعية .
وهذا الفعل للنفس إنما هو شيء تابع للمزاج السوداوي ، لا أن سبب ذلك هو ظلام السوداء وسوادها ، كما تسمع الأطباء يقولون ذلك ؛ فإنه ليس اللون بالذات سببا لاختلال قوة من قوى النفس ، وإنما سبب ذلك أحد أصناف سوء المزاج كما أنها السبب في جميع الآفات .
وقولهم إن النفس تستوحش من الخلط السوداوي كما يستوحش المرء من الظلمة قول شعري ، لأن الأذى الذي يلحق النفس في الظلام ليس شيئا أكثر من عدم حاسة البصر محسوسها . والنفس داخل الجسم ليست مبصرة فتحس سواد الخلط ، بل ينبغي أن تعلم أن الخلط السوداوي من شأنه أن يتبعه هذا العرض ، كما أن من شأن الدم أن يتبعه الطرب والسرور ، أفترى يلزم أن يكون الدم نيرا ! وهذا بين بنفسه لمن ارتاض بالعلم الطبيعي .
148 - وهذه العلة هي المعروفة بالمالنخونيا . وهذه العلة ربما كانت من قبل الدماغ نفسه ، وربما كانت من قبل القلب إذا احترق دمه ، وربما كانت من قبل المعدة ، وهي العلة المعروفة بالمراقية ، وقد اضطرب الأطباء في إعطاء سبب هذه العلة : فقوم رأوا أن سببها ورم حار في قعر المعدة ، وآخرون رأوا أنها إنما تكون عن ورم في الماساريقا ، وآخرون رأوا أن السبب في ذلك هو أن الطحال يصب في المعدة خلطا سوداويا خارجا عن الطبع في كيفيته ، ورأوا أن ما يقوله أولئك ممتنع لمكان ظهور الأعراض التي تعرض في هذه العلة .
وذلك أن أصحاب هذه العلة يتجشؤون جشاء حامضا وتعتريهم نفخة ، وليس يعطشون عطشا كثيرا . فهذا أحد ما دفع به من رأى هذا الرأي ، أعني أن يكون سبب ذلك وربما حارا وأيضا فإنهم دفعوا ذلك من جهة أن الأورام الحارة ، فيما زعموا ، متى
الكليات في الطب — صفحة 148
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٤٨