إما لكدره وإما لعسر قبوله .
137 - فهذه هي الأشياء التي تطابق ما قيل من أمر الإبصار في العلم الطبيعي .
وأما الأسباب التي يروم الأطباء أن يعطوها في هذه الأعراض فتلك أشياء مبنية على أصول فاسدة ، فإنه ليس في العين جسم يمكن أن يتوهم خارجا منها على ما يقوله أصحاب الشعاعات غير الحار الغريزي الواصل من الدماغ إلى العينين في العصبتين المجوفتين . والحار الغريزي ليس يمكن أن يفارق البدن طرفة عين ، فيبقى حارا غريزيا فضلا عن أن يمتد حتى يلقى الكواكب .
بل كان قبل ذلك يتهيأ ويفسد مزاجه من جهة ما هو حار غريزي ، ولا أيضا العين جسم فلكي ولا ناري فيكون فيها شعاع فتكون مضيئة بالطبع ، على أن الشعاع هو المرئي الأول بذاته ، ولا يصح أن يكون للقابل في جوهره شيء من المقبول ، وهذا كله قد تبين في العلم الطبيعي .
138 - بل ينبغي أن يوضع وضعا أن الإبصار يكون بارتسام الألوان في الهواء المضيء ، وتأدية الهواء تلك الألوان بعينها إلى الحدقة ، حتى ترتسم فيها فتدرك معاني تلك الألوان القوة المبصرة .
ولذلك جعلت الحدقة مركبة من أجسام شفافة وهما الماء والهواء ، فإنه لا يمكن في هذه الحاسة أن تدرك صورة الألوان إلا بعد حصولها في المتوسط . بخلاف الحواس التي لا تحتاج إلى متوسط .
139 - وأما الأعراض المنكرة التي تدخل على هذه الحاسة فهي أشياء كثيرة قد تبينت في علم المناظر . لكن الذي ينبغي أن يذكر بحق هاهنا من ذلك ما كان سببه مرضا من الأمراض . فنقول : إنه يعرض لها إذا اختلف وضعها أن تبصر الشيء الواحد شيئين ، مثل أن ترتفع الحدقة الواحدة وتنزل الأخرى . وسبب هذا معطى في علم المناظر .
وقد يعرض لها أن ترى جميع الألوان حمرا أو صفرا أو مسودة .
والسبب في ذلك الأبخرة التي تترقى إلى الرطوبة المشفة التي بها يكون الإبصار ، وذلك أنه متى كانت صفراوية أبصرت جميع الأشياء صفرا ، وكذلك متى كانت مسودة ، وقد يرى أيضا بعض الناس بقا أو ذبابا يطير بين يديه . والسبب في ذلك أبخرة متشتتة تترقى إلى العين .
وقد ينظر إلى الأشياء كأن فيها كوة ، والسبب في ذلك بخار أسود يكون في وسط الناظر إلا أنه لا يبلغ أن يسد جميع الناظر ، وقد تعرض أيضا إحساسات رديئة للذين يفسد
الكليات في الطب — صفحة 144
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٤٤