وهذا في مقابل الجيد البصر على الإطلاق .
وذلك أن جودة البصر إنما تكون بأن تبصر الأشياء على القرب والبعد على حالة واحدة .
وبالجملة فقوة البصر إنما تنسب إلى رؤية الأشياء على بعد ، كما يقال في زرقاء اليمامة .
وذلك إنما يكون لصفاء الآلة وجودة القوة وذكاء حسها كما نرى ذلك في الجوارح وفي كثير من الطير ، فإنه يظن أن الإنسان أضعف بصرا من كثير من الحيوانات وبخاصة الطائرة . وكذلك يظن به في آلة السمع والشم .
135 - وإذا كان هذا كله كما وصفنا فضعف الإبصار الذي هو في مقابل جودة الإبصار يكون ضرورة إما لضعف قوة الحاسة وقلة ذكائها ، وإما لقلة صفاء هذه الآلة .
والضعف قد يكون لقوة هذه الحاسة طبيعيا ، وقد يكون عرضيا مثل أن تكون العين بارزة إلى خارج فتضعف من لقاء الهواء والنور لها ، وتمكنهما منها .
وقد يكون ذلك لاتساع الثقب الذي في العنبية فيتمكن الهواء من مزاج العين ويغيرها .
وأسباب اتساع هذا الثقب يكون إما لتقلص يعتري الطبقة العنبية من جفوف ، وإما لرطوبة تمددها حتى تتشنج ، وإما لكثرة الرطوبة البيضية حتى تمددها ، وقد يعتري هذا العرض لضيق هذا الثقب أكثر مما ينبغي ، وذلك يكون إذا استرخت الطبقة العنبية .
واسترخاؤها يكون إما من رطوبة فيها وإما من قبل قلة الرطوبة البيضية ، فتسترخي العنبية وتقع أجزاؤها بعضها على بعض ، قالوا وأما متى كان ضيق هذا الثقب طبيعيا فهو محمود .
وقد يكون ضعف البصر عن مرض من أمراض الأجفان ، وقد عددها أصحاب الكنانيش وهي بالجملة إنما تتولد عن سوء مزاج مادي .
136 - وبالجملة فأسباب ضعف البصر هي على النصف من أسباب العمى .
وأما الذين يبصرون الأشياء على القرب بصرا جيدا ولا يبصرونها على البعد ، فإما أن نتوهم أن بصرهم للأشياء على قرب ليس يكون على نحو إبصار الذين يبصرون الأشياء على قرب وبعد إبصارا جيدا ، فيكون هؤلاء من ضعف البصر في الحال المتوسطة بين الضعيف البصر بإطلاق ، وهو الذي يبصر الأشياء بصرا ضعيفا على القرب والبعد ، وبين الجيد البصر بإطلاق لأنه ليس يمكن أن يكون نظر الأشياء القريبة والبعيدة نظرا واحدا لا في الضعيف البصر بإطلاق ولا في القوي البصر .
الكليات في الطب — صفحة 142
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٤٢