ونقول إن الأبصار السليمة إنما تتفاضل في رؤية الأشياء البعيدة .
وأما القريبة فتراها على كنه واحد ، فإنه ليس يشك أحد أنا نبصر الأشياء القريبة منا على نحو ما تبصرها العقبان « 1 » .
وإنما تفضلنا في النظر إلى الأشياء البعيدة ، وإذا كان هذا موجودا في الأنواع فكذلك لا يمتنع أن يوجد في الأشخاص .
وأما لم كان بعض الناس يبصرون على بعد ولا يبصرون من قرب ، فالسبب في ذلك ضعف بصره وقلة إشفافه ، وذلك أن الأشياء لما كانت إنما تبصر بتوسط الهواء والضوء .
وكانت الأبصار الضعيفة تحتاج إلى ضوء أكثر مما تحتاج إليه الأبصار الحادة وإلى أن يكون الشيء المبصر منه بعيدا ، لأنه يكون أضعف تحريكا للبصر . وأما إذا قرب فإن البصر الضعيف لا يحتمله .
والشيء إذا بعد من البصر كان الضوء الواقع بينه وبين المبصر أكثر ضرورة ولكون الألوان إنما تبصر بتوسط الضوء والهواء صارت المرئيات إذا وضعت على الحدقة نفسها لم تبصرها ، لأن إدراك هذه الحاسة لا يكون إلا بتوسط وضوء فالبصر الضعيف يكدره المرئي القريب .
والذين يحتاجون إلى تحريك من المبصرات قوي يبصرون من قرب ولا يبصرون من بعد ، وهم أكثر ذلك الجهر وتكون أعين هؤلاء بارزة لضعف تحريك المبصر الضعيف في حقه .
ولذلك كانت الأعين الغائرة تبصر من بعد لأن الشعاع إذا انضم وتكاثف قوي كالحال في جري الماء ولهذا نرى من ضعف بصره من الشيوخ ليس يمكنه أن يقرأ الخط الدقيق إلا في الشمس ويبصر الأشياء البعيدة ولا يبصر الأشياء القريبة .
ويشبه أن يكون مثل هذا الضعف في الإبصار إنما سببه سوء مزاج يابس : إما عرضي وإما طبيعي أو رطوبة كدرة وذلك أن اليبوسة كما قيل عسرة الانفعال من غيرها ، والرطوبة سهلة الانفعال من غيرها .
ومن هذا القبيل هو المرض المسمى عشا العين بتخصيص ، وذلك أن صاحب هذا المرض يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل لأنه لا يكتفي بشعاع الكواكب ولا بالسرج وذلك ،
هامش
( 1 ) جمع عقاب وهو طائر .