والأسباب الفاعلة لهذه الأعراض هي ضرورة أحد أصناف سوء المزاج المادي أو غير المادي ، ولننزل أن هذه الأعراض إنما تحدث أكثر ذلك والإنسان حي ، متى كان سوء المزاج الفاعل لذلك إما في الدماغ وإما في النخاع وإما في الأعصاب النابتة منهما .
113 - لكن ينبغي أن ننظر هل هذه الأعراض تحدث عن جميع أصناف سوء المزاج الثمانية المرضية ، أم إنما تحدث عن بعضها ؟ فنقول : إنه لما كانت هذه الأعضاء منها باردة يابسة وهي الأعصاب ، وباردة رطبة وهي الدماغ والنخاع ، كان تأثر هذه الأعضاء عن البرد أسرع ، أو عن البرد والرطوبة .
ولذلك كانت أسباب هذه الأعراض في الأكثر هي البرد مفردا أو البرد والرطوبة .
وأما سوء المزاج الحار فلست أمنع أن يعرض عنه هذا العرض : فإنه إذا تبين أن كل عضو إنما يفعل بحرارة مقدرة ، فلا فرق في أي جهة كان خروج تلك الحرارة التي بها تفعل في كونها سببا في تعطل فعله واختلاله . لكن إن كان مثل هذا فهو نادر .
وأما اليبس فلست أمنع كذلك أن تتولد مثل هذه الأعراض عنه .
ولذلك ما نرى الذين علت أسنانهم يعسر حسهم ، لكن مثل هذا السبب يبعد أن يحدث دفعة .
لكن ينبغي أن تعلم أن المرض إذا نسب إلى كيفية واحدة أن ذلك لمكان شدة تأثير تلك الكيفية في ذلك المرض .
وذلك أنه ليس تلفى يبوسة خارجة عن الطبع خلوا من برودة ، أو حرارة خارجة عن الطبع .
وكذلك الأمر في الحرارة والبرودة مع الرطوبة واليبوسة .
لكن لما كانت إحدى الكيفيتين المتلازمتين هي أملك بذلك المرض . نسبه الأطباء إليه : فإن الأمر في الأخلاط المرضية كالأمر في الأخلاط الطبيعية ، أعني أنها إنما تتقوم بغلبة الكيفيتين ، مثل الصفراء بالحرارة واليبوسة والدم بالحرارة والرطوبة .
114 - وإذ قد تبين أن المزاج البارد ، بما هو بارد ، هو السبب أكثر ذلك في هذه الأعراض ، سواء كان رطبا أو لم يكن ، وإن كان أيضا المزاج الرطب قد يمكن أن يفعل ذلك بإرخائه لكن يعسر ، كما قلنا ، أن يوجد مزاج مادي رطب فقط ، بل إنما يكون مركبا مع برودة أو حرارة ، لكن متى كان مع حرارة فبعد أن يولد مثل هذا العرض ، وإن كنت لا أمنع ذلك .
وإنما يعسر تصور مزاج مادي رطب فقط ، لأن الحامل لهذا المزاج إنما هو خلط
الكليات في الطب — صفحة 130
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٣٠