تحدث من الفاعل في القابل ، فتكون الأمراض مؤلفة من شيئين : شيء يجري منها مجرى المادة ، وشيء يجري مجرى الصورة ، كالحال في الموجودات الطبيعية والصناعية .
117 - وليس سبب الوجع تفرق الاتصال ، كما يقول ذلك جالينوس ، بل تفرق الاتصال هو سبب سوء المزاج الذي يحدث الوجع . فإن تفرق الاتصال إنما يكون بحركة ، والحركة من شأنها أن يتبعها سوء مزاج ، ولا أيضا يكون سبب الوجع من الأمرين معا : أعني التفرق والحرارة أو البرودة ، كما يقول ذلك ابن سينا ، فإنه قد تبين في كتاب النفس ( لأرسطو ) أن هذه الحاسة إنما تحس حسا أوليا الكيفيات الأربع ، التي هي الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة .
وإذا كان ذلك كذلك فالآلام إنما تعتريها في إفراط محسوساتها الخاصة ، على نحو ما يعتري سائر الحواس .
فإن العين إنما تألم لإفراط الألوان وخروجها عن التوسط وكذلك حال اللسان مع الطعوم والسمع مع الأصوات ، والشم مع المشمومات .
ولو كانت هذه الحاسة ، أعني حاسة اللمس ، إنما يحدث لها الوجع بتفرق الاتصال لكان محسوسها الخاص بها إنما هو نفس تفرق الاتصال فقط ؛ كما أن العين إذا كانت تألم بالألوان المفرطة فمحسوسها إنما هو جنس الألوان .
وإنما تفرق الاتصال شيء يعرض عن الكيفيات المفرطة .
ونفس الإحساس إنما هو للكيفيات ، وجالينوس يقر بذلك ويقول : إن جلدة الكف إنما جعلت في غاية الاعتدال من المزاج لتدرك بها المتضادات الخارجة .
118 - وإذا كان ذلك كذلك ، فإفراط المتضادات هو السبب في ألمها .
فإن الأقل والأكثر يلزم ضرورة أن يكون في جنس هو هو ، واللذة التي هي مقابل الوجع ليست شيئا أكثر من إدراك الحاسة المتوسطة الشبيه بها ، كالحال في استلذاذ حاسة اللمس بالماء اللين ، وحاسة البصر باللون الأخضر ، وحاسة الذوق بالطعوم المركبة ، والسمع بالألحان المعتدلة ، والشم بالروائح العطرة .
فمن هذه اللذات ما يتقدمها أذى قبل ، فيكون موضع اللذة في ذلك أظهر عن الطباع .
ومنها ما ليس يتقدمها أذى ، فإنه ليس من شرط اللذة ولا بد أن يتقدمها أذى ، والأوجاع منها ما يحدث في جملة البدن ، ومنها ما يحدث في عضو من أعضائه ، مثل الأوجاع الحادثة في الرأس ، وأوجاع المعدة . والأوجاع الحادثة في المعى ونحن نعدد من
الكليات في الطب — صفحة 132
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٣٢