سوء المزاج البارد : أعني قد يكونان سببا متقدما لذلك .
76 - وإذ قد تبين هذا بالقول العام ، من أمر جميع الأعضاء فالكبد إذا أصابها سوء مزاج حار غير مفرط ولدت مرارا كثيرا ، وإذا أفرط ذلك بها حتى يكاد أن تخرج بذلك عن صورتها الجوهرية ، كانت - بالحرارة التي فيها - أفعالها حينئذ غريبة عن الأفعال الطبيعية ، فتكون حينئذ أكثر أفعالها إنما هي من حيث هي حرارة مطلقة لا من حيث هي حرارة كبدية .
وإذا كان ذلك كذلك فالفعل الذي للحرارة بما هي حرارة بسيطة إذا وردت عليها رطوبة مائية هو أن تبخر الجزء المائي الذي فيها وتولد عنها رياحا .
ولذلك ما يحدث عن مثل هذه الحرارة إذا حصلت في الكبد النوع من الاستسقاء المعروف بالطبلي .
فإن كان السبب في انسلاخ الحرارة الطبيعية مرضا حارا نسب إليه ، وإن كان باردا نسب إليه .
ولذلك ما نرى الأطباء يتحيرون في توفية أسباب هذا النوع من الاستسقاء ، لأنهم يجدونه يحدث عن الحر كما يحدث عن البرد ، وهو من أعسر أنواع الاستسقاء علاجا لهذا السبب بعينه .
وأما أسباب حدوث سوء المزاج الحار في الكبد فهي بالجملة أسباب حدوث الأمراض حدوث الأمراض المادية وغير المادية .
77 - ويخص الكبد أنها ربما لحقها هذا الضرر من تعطل فعل المرارة : إما لسدة تعرض في المجرى الواصل إليها ، وإما لضعف القوة الجاذبة التي في المرارة ، وإما لانسداد المجرى النافذ من المرارة إلى المعى ولضعف القوة الدافعة ، لأن هذا إذا انسد عرض عن ذلك ما يعرض لمن انسدت أمعاؤه من أنه لا يشتهي الغذاء ولا يطلبه .
وإنما كان كذلك لأن كل عضو إنما فيه القوة الجاذبة من أجل الغاذية . والغاذية ، إنما يتم فعلها بالأربع قوى .
فمتى تعطلت واحدة تعطل الغير . وكذلك ينبغي أن يتصور الأمر في الكبد مع المرارة .
78 - والعرض المسمى يرقانا إنما يحدث ضرورة لأحد أمرين :
إما لتعطل فعل المرارة أو نقصان فعلها فيبقى المرار منبثا في الدم فتقذف به القوة الدافعة إلى سطح البدن على جهة ما تدفع الفضول ، وهذا نوع سالم .
الكليات في الطب — صفحة 115
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١١٥