ثم قال : غنّ أحد اصواتي التي اقترحتها في مبدأ سكري . فاندفع وغنى بشعر العباس بن الأحنف :
زعموا لي انها بانت تحم * ابتلى الله بهذا من زعم
اشتكت مما بها كانت كما * يشتكي البدر إذا ما قيل تم
ليت بي شكواك يا سيدتي * ولك الاجر إذا طال السقم
فطرب أبو أيوب الكحال وقال اسمعوا يا اخوان الصفا وبقية العلماء فوحق منشيء الطبائع ومبدي البدائع لو كتب هذا بالمباضع في المسامع لوقع اجلّ المواقع فشرب القوم وطربوا . وزاد الشيخ في حد الانتشاء فلما دبت فيه حميا الكاس وانتشرت منه في المفاصل والرأس اخذ في هذيانه وبث أشجانه وقال يا أخي قد نعبت في جمع العلم وكددت نفسي في قراءة الكتب وما بلغت بصناعة الطب غرضي من الكسب وسبب ذلك ان مروءات الناس قد سقطت ونفوسهم قد خسّت وصغرت ، وقد مضى العمر وكبر السن وانا ماض وما اخلف ولدا يحيي ذكري ولا حميما يبكى على قبري وتمثل بقول الأول :
تذكرت من يبكي عليّ فلم أجد * سوى مجلسي في الطب والعلم والكتب « 180 »
ثم أرخى عينيه بالبكاء وانصرف القوم .
هامش
( 180 ) هذا الشعر من نظم ابن بطلان يصف نفسه عند موته فهو لم يتخذ زوجة ولم يخلف ولدا ولد لك قال في شعره :ولا أحد ان مت يبكي لميتتي * سوى مجلسي في الطب والكتب باكياويذكره هنا محرفا في هذه القصة على لسان الشيخ .