- القسم الثاني عشر - في خاتمة الكتاب وذكر سبب انقطاع الزيارة والاجتناب
وبقي أبو جابر تلميذه فالتفت اليه وقال اسقني وغني بقول الشاعر :
يموت راعي الضأن في جهله * ميتة جالينوس في طبه
وربما زاد على عمره * وزاد في الامن على سربه
ثم مال على جنبه نائما ، فنهضت على رجلي قائما فلما همت بالانصراف قال لي غلامه : أتمضي يا سيدي وتتركني انا والمسكين أبا جابر الذي قد كدّ يومه وغنى حتى بح حلقه جائعين ؟ فقلت : وما سبب جوعكما وفي الدار طعام ؟ فقال : منى انصرفت لم اتجاسر على شيء ولم أقدر على التعرض لشيء ، وان أقمت احتججت بك ودخلت انا وهذا الفتى في عمارك « 181 » . فمالت نفسي انى اطعامهما وسقيهما غيظا من شحه ومكافأة على بخله فأعد الطبق وقدم اللحم فأكلنا حتى لم يبق الا العظام وعدلنا إلى الفالوذج على بقيته وملنا نحو الشراب وغنى ذلك الفتى :
نبئت ان النار بعدك أضرمت * واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتحدثوا في أمر كل عظيمة * لو كنت شاهدهم بها لم ينبسوا
وطاب الوقت واتصل الشرب . فبينما نحن كذلك على هذه الحال إذ رفع الشيخ رأسه متيقظا فلما رأى وقد تفرغ الجام من الحلواء ، وابيضت عظام
هامش
( 181 ) يقال دخل في غمار الناس اي في زحمتهم . وأصل الكلمة من الغمر وهو الستر والتخفية .