هذا بيان بحسب الاختصار فيه كفاية ، فإنهم يعظمون البيطرة على الطب لانسهم بالبهائم وشبههم بها ويتطيرون بالمحبرة ويسمونها خرزة الشؤم ومحزنة الحرفة . وإذا رأوا طبيبا مكبا على العلم قالوا مفتون بالحذق ضيق الرزق ، فإذا تكلم ودقق في مسألة قالوا سوداوي اعتقادا ان العلم يخرج إلى الجنون ، فإن لم يفهموا ما يقول قالوا هذه زندقة ، فان نظرة فريق منهم انشد الفريق الاخر يقول :
وما تنفع الآداب والعلم والحجى * وصاحبها بعد الكمال يموت
ولا يقولون في الأغذية حارة وباردة وانما يقولون هذا غذاء مبال يريدون به مستحبلا كالبطيخ ، وهذا بطلع الموت اي انه بارد يابس . ويسمون الرطب لينا ويقولون إن المشمش بطبع الحمى ، والبلوط قولنج ، وهذا كله قريب وانما المصيبة العظمى اعتقادهم في الكافور والثلج انهما حاران وفي الرازيانج « 176 » والحناء انهما باردان ، وان ماء الشعير يطبع الصفراء .
كل هذا من عجز الأطباء وقلة خبرتهم بكتب القدماء فانقرضت الصناعة وهي نظام سلكها وأخلق جديدها وتفرق أيدي سبا عديدها « 177 » فهانت في نفوس الناس ودثرت وخلت من الفضلاء فصار الان يتعاطاها القوابل وقوام الهياكل « 178 » ويعتادون في وصفات الأطباء فذهب رونقها واخلقت بهجتها ، وصارت كالفضل الذي لا يحتاج اليه . وبطل الطب البقراطى وظهر طب لم بأمر اللّه سبحانه على السنة أصفيائه بشيء منه .
فبينما هو في الكلام إذا طرق الباب مريض فاذن له بالدخول فلما حضر سلم وجلس واستأذن في وصف ما يجده فاذن له . فقال يا سيدي اني أجد نشفا في فمي ورياحا في احشائي واعتقالا في طبعي وبصاقا وبلاغم في معدتي
هامش
( 176 ) وهو الآنسون .
( 177 ) ( وتفرق ساعد يدها ) في نسخة الجلبي .
( 178 ) قوام الهياكل هم سدنة الهياكل التي يجتمع فيها المرضى في زمن اليونانيين وقد سبق التعريف بها .