الشواء قال ما هذا التبسط في منزلي والتحكم في مطعمي ومشربي قلت تذكرت قولك :
اضاحك ضيفي قبل انزال رحله * فيخصب عندي والمحل جديب
قال : الأشرار يتتبعون مساوىء الناس كما يتتبع الذباب المواضع الفاسدة من البدن قلت يا سيدي ما تناولنا منه الا القليل وكنا قادرين على الكثير . قال صدق أفلاطون في قوله : ( لا تصحبوا الأشرار فإنهم يمنون عليكم بالسلامة منهم ) . اما تعلم أن كحل أصفهان يأتي على الجمال ويفنى بالاميال « 182 » ؟
قلت : يا سيدي أنت دعوتني إلى منزلك وعرضت على طعامك وشرابك فما زرتك مثقلا ولا حضرت عندك متطفلا .
قال : قد فعلت ما هو أقبح من التطفيل وأصعب من التثقيل لأنك غررتني من نفسك وزعمت أنك لا تقدر على شرب الشراب وأراك تكرع منه بالأرطال والاقداح . والذنب لي في الاغترار بك والانخداع لك .
ثم استوفى على نفسه اليمين الغموس انه لا يضيف غريبا بقية عمره ولا يأذن لاحد في دخول منزله . فنهضت من عنده وغبت عنه عدة أيام وعاودت داره وإذا به في شباك على الطريق فلما ابصرني صاح يا غلام احفظ الباب والممرق « 183 » فقد ورد الغرار المملق « 184 » وأخاف ان يلج الدار أو يتسلق .
فلما رأيته بدأته بالسلام وغمرته بالاعظام والاكرام فاعرض ولم يرد السلام ، فأنشدت :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
هامش
( 182 ) اي ان الكميات الهائلة من الكحل تنفد كلها بالاميال الصغيرة التي تحمله إلى العين عند الاكتحال .
( 183 ) الممرق هو المدخل المؤدى إلى فناء الدار - والكلمة جاءت من المروق فيقال مروق السهم اي اجتيازه بسرعة .
( 184 ) من املق الرجل اي افتقر . والغرار هو الذي يغر الناس ويخدعهم .