اللعب إلى آخره يا سيدي هذه عادة القدماء وزهاد الأطباء ، وكل ما لا يشبه أربابه مسروق . ونحن اعزك اللّه أصحاب ثروة وعافية ما علينا من غيرنا . ولكن إذا رأى البائس الفقير طبيبا كأنه وزير فكيف يتجاسر عليه ان يمد يده اليه أو يجسر يريه نفثه وبوله وبرازه ؟ وهو بعد صبي حدث ما يحسن يداري عيشه . ومن المعلوم ان ذا العقل لا تبطره منزلة أصابها وان عظم امره كالجبل الذي لا يتزلزل وان اشتدت به الريح . والسخيف تبطره أدنى منزلة كالحشيش الذي يحركه أدنى ريح . فان الأدب يذهب عن العاقل السخيف ويزيد الأحمق سكرا ، كالنهار يزيد كل ذي بصر بصرا ويزيد الخفاش عمى .
باللّه انني أعجب إذا قالوا إن فلانا قد صار طبيبا وكنت اعهده يتيما فلما ترعرع ماشى كثير وعوير « 133 » فشهد له بالجدية والركوب والفروسية إلى أن مضى على ذلك برهة فما أحسست بشيء حتى تصدر بعمامة وصقل أطرافه وقص أظفاره ووسع اكمامه والتحق بالرؤساء وانتمى إلى خدمة الأولياء وابتدأ يتعلم ويكتب ويقرأ ويشاور باخبار الأطباء . وعهدي به يوما وقد حكى لبعض الرؤساء حكاية أساء فيها الرؤية فقال ان بعض سراري الملوك شكت إلى جبريل الطبيب « 134 » بخرا كان لمولاها ، وان جبريل أشار عليها ان تأمر الخياطين ان يفتقوا دروز ثيابها ويملؤوها مسكا حتى إذا ضاجعها مولاها تعمد ان تشم الدروز . فكانت إذا قويت عليها الرائحة تواصل شم الدروز وتجمع الدروز الواحد والاثنين والثلاثة وتشمها . فاندفع الناس يضحكون من مخاطبته لصاحب المجلس بهذا ومن اته المسكين لا يعلم أن التاء
هامش
( 133 ) كان الأطباء سابقا يدرسون الكتب الطبية ويتدربون عنى الأطباء المعروفين . غير أن الدجالين منهم انتحلوا مهنة الأطباء وتزيوا بزيهم فكانوا يخدعون بسطاء الناس وكل من هب ودب . والمثل هنا يقال ( بصيغة التصغير ) كتابة عن غوغاء الناس فيقال ( كسير وعوير وكل غير خير ) .
( 134 ) كلمة ( الطبيب ) أضيفت من نسخة الأصل وهي غير موجودة في النسخ الثلاث الأخرى وجبريل هو جبرائيل بن بختيشوع ، والبخر هو الرائحة الكريهة في الفم