5 - مضامين المقالة الأولى :
تضم هذه المقالة ثمانية أبواب لا تسلسل فيما بين مضامينها ، فيكاد يكون كل باب منها بحثا مستقلا عما تقدمه أو ما تلاه من الأبواب . الا انها بالاجمال ، لا تخرج بعيدا عن دائرة تعليم الطب ، واستعراض تأريخه ، وما يحوم حول ذلك .
فذكر المؤلف في الباب الأول الأسباب التي دفعته إلى تأليف هذا الكتاب ، وهو بمثابة المقدمة التي اعتاد المؤلفون العرب ان يفتتحوا بها مؤلفاتهم . قال فيها : انه نفسه عانى كثيرا في تعلم هذه الصناعة قبل ان يقف على السبيل الذي قاده إلى معرفة فنونها ، فرأى أن يرشد من يطلب تعلمها إلى تجنب تلك المتاعب ، فوضع له ما يأخذه إلى سبيل ذلك . ويبدو بصورة واضحة في هذا الباب ان ابن رضوان يعرض آراءه الشخصية في طرق التعليم بضرب الأمثلة وذكر الاحداث التي تقع في ميدان هذا الموضوع أكثر مما يعرض بتفصيل طريقة واحدة من طرائق التعليم الطبى ، وبالأخص السريرى منه . كما يظهر ان تعليم الطب في أيام ابن رضوان كان بتفسير نصوص الكتب اليونانية التقليدية والتعليق عليها . والطالب هو الذي يقوم بقراءة النصوص ، أما دور المعلم فهو تفسير ما يقرؤه الطالب والتعليق عليه بما لديه من معلومات وخبرة شخصية في الموضوع الذي يتناوله النص . ولما لم يجد ابن رضوان - بحسب زعمه - من يحسن تطبيق هذه الطريقة ، صار يقرأ كتب الطب بنفسه ولوحده ، حتى توصل إلى الالمام بمفاهيم هذه الصناعة .
وأجاد ابن رضوان في الباب الثاني باستعراض تأريخ صناعة الطب منذ بدء نشوئها حتى بلوغها الاكتمال في عهد جالينوس ، ثم أثناء انحدارها عبر العصور حتى وصولها إلى المسلمين في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي . وقال في ذلك ان الطب ظهر لأول مرة في الجزر اليونانية الثلاث وهي رودس 8 وقنيدس 9 وقوص 10 . وفي مدرسة الطب بالجزيرة الأخيرة تخرج امام الأطباء اليونانيين ابقراط . وقال أيضا ان الطب في تلك الحقبة القديمة ( القرن الخامس للميلاد وما قبله ) كان من اختصاص أعيان الناس كالملوك والزهاد 11 فلما باد في جزيرة رودس وقارب ان يبيد في قنيدس ، وحين آلت الصناعة إلى رذل الخلق ، دون ابقراط علوم الطب برموز ولغوز 12 ليضمن الحفاظ عليها من الضياع والتلاعب بها . وأوصى ولديه ثاسلس ودراقن ان يعلماه لكافة الناس بعد ان يأخذوا منهم