البدن والمحصور في الشرايين دم رقيق حار وروح لطيف ، فلو لم يكن جرمها كثيفا صفيقا غليظا لتحلّل وانفش الروح ورشح الدم بسرعة ، ثم إنّ الرئة لما كانت جوهرا متخلخلا خفيفا كأنّها زبد منعقد ، وذلك ليسهل تحركها دائما وليقبل في نفسها هواء كثيرا احتاجت إلى غذاء رقيق خفيف أكثر من سائر الأعضاء ؛ لأنّ كل عضو يغتذى بما هو أقرب شبها به ، فجعل أكثر غذائها من دم الشريان ، وجعل جرم الشريان الذي فيها مخالفا لما في سائر البدن ، أما رقّة جرم الشريان فليتادى إليها منه غذاء كثير لأنها بحرارتها ودوام حركتها كثيرة التحلل ، فهي شديدة الحاجة إلى الغذاء دائما ، وغذاؤها الملائم لها هو ما في الشريان فجعل الشريان الذي يسقيه أرق جرما « 1 » مع عظم المقدار ليحوي دما كثيرا ، يودّيه إليه ، وأما غلظ جرم الوريد قليلا لا يرشح منه إلا الجزؤ الرقيق اللطيف من الدم المناسب للرئة ، ولم يقتصر على دم الشريان وحده ، وإن كان كثيرا سهل التادي إليها إذا لم يزد في سعة الشريان أو رقة جرمه حتى يحصل غذاؤها كلّه من دم الشريان ، فلا يحتاج إلى كون الوريد فيها وذلك أنه لا بدّ للرئة وللأعضاء الأخرى من اغتذا بكلا الدموين أعني الوارد من الكبد مع قوة التغذية والأنماء والوارد من القلب مع قوة الحياة وجعل جرم الوريد الذي في الرئة مع كثافته صلبا ، وذلك ليقل انقباضه وانبساطه بانقباض الرئة وانبساطها فلا يستفرغ دمه مع انقباض الرئة .
فصل العلاقة بين القلب والرئتين
ولما كان في القلب أربعة مجار كبار أحدها العرق « 2 » الذي يصبّ
هامش
( 1 ) الجرم : الحجم .
( 2 ) العرق : أحد الأوردة التي يجري فيها الدم .