فصل القلب
ولما جعل القلب معين الحياة والحرارة الغريزية والروح الحيواني ، وكانت حاجة البدن في قوامه إلى هذه الأشياء هي الحاجة إلى أن اختل منها شيء ولو مقدار يسير أو تعطّل فعل القلب ولو مدّة قليلة لأسرع إليه تلف وجب أن يحكم تحصين القلب وأحرز به فوضعه فيما بين حرزين بينهما فضاء أحدهما لين وهو الذي يلاقيه لئلا ينكي « 1 » فيه بصلابته ، لأنّه متحرّك حركة انبساط وانقباض ، وهذا هو الرئة والآخر صلب كالسور المبني حواليهن وهو إلى الرئة التي هي خزنته الأول الملاقي إيّاه ، وهذا هو السّور المبني من عظام الصدر والأضلاع وفقار الظهر المغشّى من داخل ومن خارج بلحم ، وغشاء ، وجلد ، وجعل هذا الحصن متجافيا بينهما فضاء ليفيد الوقاية والحرز « 2 » من غير أن يضر بالمماسّة والملاقاة ، وذلك أنّه صلب ، فالقلب والرئة ليّنان متحركان حركة انقباض وانبساط ، وليكن بسبب الفضاء التي بينهما حصنا لحفظه ، ويمنع الآفات من بعد ، فيكون أفضل ، لأنّ نفس البعد كالحصن المانع على وجه ما فيبقى القلب محفوظا من آفات تلحقه من خارج كالصّدمة والضربة وكالحرّ والبرد ، ولتبقى الحرارة الغريزية التي في القلب محصورة لا تتحلل ولا تنتشر ولا يصل إليها لا الحر ولا البرد فإنّ كلاهما مضرّان بهما .
هامش
( 1 ) ينكأ : يتقرّح .
( 2 ) الحرز : الموضع الحصين .