فصل الرأس
ولمّا كان الرأس معدن الحواس ، وكانت الحواس خاصة السّمع والبصر محتاجة إلى أن يكون في أعلى الأماكن لتصل إليها محسوساتها أكثر وأسهل فليدرك ما يصل إلى جميع البدن لا ما يصل إلى بعضه جعل الرأس مركبا على عضو طالع من البدن وهو العنق ، ثم جعل العنق على سبيل تضعيف المنفعة نافعا في الصوت فإنه لولا العنق لما كانت قصبة الرئة موجودة فلم يكن الصوت موجودا ، ثم جعل هذا العضو متحركا إلى جهات كثيرة مختلفة بعضلات تحركه إلى فوق ، وأسفل ، وأمام ، وخلف ، ويمنة ويسرة ، وموربا « 1 » ، ومستديرا ، وذلك لتعم منفعة الحواسّ فيكون ما هو في جهة ما من البدن منها كأنّه في جميع الجهات ثم جعل الرأس في موضع اتصاله بالعنق متحركا مثل حركة العنق في موضع اتصاله بالعضو الذي تحته ، وذلك ليمكن الزيادة في حركات العنق والنقصان منها ، وليتركب من حركاتها ما يصير الرأس به على أوضاع ، وفي جهات كثيرة مختلفة جدا ، وجعل تركيب الرأس على العنق أوثق ما يكون من جهة وثاقه المفصل وتداخل أطرافه ومن جهة قوة الرباطات التي يربطه ، ومن جهة كثرة المفاصل التي تحرّكه لأنّ هذا المفصل إن انخلع فقد تعطّل أمر الحسّ والحركة ، والتّنفس ، والصوت .
هامش
( 1 ) موربا : منحرفا .