ولسعادة النفس وكمالها ، خاصة إلى العين لأنّ محسوسها أكثر أنحاء وأوسع مجالا ، ثم لمّا كان إدراكها المبصرات من خارج وجب أن يكون وضعها خارج البدن لا في داخله ، فكانت لذلك بمعرض من الآفات خاصة وهي لينة رقيقة صافية يضرها أدنى شيء فوجب أن يوقى بضروب كثيرة من الوقاية ، فوضعها في جوبة من العظم وجعل حواليها عظاما بالأجفان ، وصانها بالأهداب ، وجعلها مع ذلك اثنين حتّى إن أصابت إحداهما آفة وبقيت الأخرى سليمة لم يكن البدن مضرورا بالكلية ، وجعلها ذات أجزاء كثيرة بعضها آلة للأبصار ، وبعضها معين في ذلك ، وبعضها محتاج إليه للحياة ، وبعضها للغذاء ، وبعضها وقاية من الآفات الممكنة الحدوث .
فصل : فالآلة الأولى للأبصار هي الشعبة . . .
فالآلة الأولى للأبصار هي الشعبة الواردة من الدماغ إلى العين وهي العصبة المجوّفة ، فهذه الشعبة تنشأ من الدماغ وتخرج وعليها الغشاءان اللذان على الدماغ أعني الأم الجافية والأم الدقيقة حتى إذا دخلت جوبة العين تفرشت الأم الجافية ، كما الحال في تفرشها داخل القحف « 1 » ، لتكون حائلة بين هذه الشعبة من الدماغ وبين عظم جوبة العين ، كما انها حائلة بين جرم الدماغ ، وبين عظم القحف ، ثم يتفرش فوقها الأم الدقيقة ، وذلك لأنّها الحاوية لهذه الشعبة والمعطية إيّاها الحياة والغذاء بالأوراد والشرايين التي فيها كما انّها تحوي الدماغ ويجتمع أوراد أو شرايين كثيرة ، فهي للعين والدماغ مثل المشيمة « 2 » للجنين ، ثم إنّها في العين خاصة ليست تعطي هذه الشعبة
هامش
( 1 ) القحف : العظم الذي فوق الدماغ من الجمجمة . والجمجمة التي فيها الدماغ .
( 2 ) المشيمة : الطبقة البراثية للغشاء الذي يكون فيه الجنين في البطن ويخرج معه عند الولادة .