محتاج إليه ليجي كالحال في سائر الأعضاء ، وليجعله مادة للروح لا سياسي ، وكان هذا المقدار أكثر من أن يحتلّه قوة جذبه أو دفع الشرايين بانقباضها جعل وضع الشرايين على نحو يتمّ به الحاجة ، وهو أن جعلها متباعدة من أسفل إلى فوق ليصل الروح بميله الطبيعي إلى تجاويفه فيملاؤها ، ولذلك صارت الشرايين والأوردة تصل إلى سائر الأعضاء من البدن جهة واحدة بالتقريب وأمّا في الدّماغ فمن جهتين متضادتين ؛ لأنّ الشرايين تصعد إليه في العنق حتى إذا نفذت القحف تقسمت فيما بين القحف والأم الجافية « 1 » أقساما وحدث الشبكة ، ثم اجتمعت ودخلت الدماغ حيث البطنان المقدمان وملأتهما روحا ، وأما الأوردة فتصعد إلى الرأس من خارج ، ثم يدخل في القحف عند الهامة « 2 » ثم يصب الدم في حفرة من جوهر الأم الجافية ثم يمر الدم من الحفرة في جداول ناشئة منها إلى جميع أجزاء الدماغ .
فصل : ولمّا كانت أعضاء الجوف . . .
ولمّا كانت أعضاء الجوف التي هي آلات الغذاء محتاجة إلى أعصاب يصل إليها من الدماغ أما أعصاب فليعطيها الإحساس بالمؤذي ، فيهتاج بذلك القوة الدافعة لدفعه وليحسّ بالحاجة إلى الغذاء ، فإن لجميع الأحشاء إحساسا بالحاجة إلى الغذاء ، وإن كان ضعيفا بالقياس إلى المعدة خاصة فمها ، فإن كل واحد من الأحشاء ، إنما يطلب لنفسه وفم المعدة لجميع البدن ، وأمّا من الدماغ فلأنّ جواهر الأحشاء إليه فيجب أن تكون الأعصاب المتصلة بها لينة لئلا يوهنها لأنهار لو كانت أصلب منها لكانت أقل انفعالا عن المؤذي منها ، فكان ما ليس بمحسوس لها
هامش
( 1 ) الأم الجافية : أم الدماغ ، الجلدة الرقيقة التي تجمعه .
( 2 ) الهامة : الرأس .