ولكن الذي ميّز الفكر العربي الإسلامي من الفكر اللاتيني في العصور الوسطى هو أن تلك التبعية الفكرية للسّلف أخذت طابع التقديس في أوروبا وتبناها أولو الأمر ورجال الدين ، وحرّكتها تيارات سياسية واجتماعية ، فكان من يخالف آراء جالينوس يتهم بالهرطقة ، ويتعرض لمختلف أنواع العقوبات ، وهذا غاليلي
( Galilee )
يلاقي الأهوال من محاكم التفتيش لأنه قال بأن الأرض تدور حول نفسها ، وهناك المئات من خيرة المفكرين في العصور الماضية لاقوا حتفهم في أوروبا بسبب رأي علمي لم يرق لقضاة محاكم التفتيش .
هذه التبعيّة الفكرية للسّلف كانت موجودة بين المفكرين في العالم العربي الإسلامي ولكن إلى حد معين ، أي أنها تبعية طوعية تقف عند حدود الحقوق المقدسة للنفس البشرية .
يقول ابن الهيثم ( ت 420 ه ) « 1 » « حسن الظن بالعلماء السابقين مغروس في طبائع البشر وأنه كثيرا ما يقود الباحث إلى الضلال ، ويعوق قدرته على كشف مغالطاتهم وانطلاقه إلى معرفة الجديد من الحقائق وما عصم اللّه العلماء من الزّلل ولا حمى علمهم من التقصير والخلل ولو كان ذلك كذلك لما اختلف العلماء في شيء من العلوم ولا تفرقت آراؤهم في شيء من حقائق الأمور » .
كتب ابن الهيثم هذا في مقدمة كتابه الشكوك على بطليموس ، وابن الهيثم يعتبر معاصرا للزهراوي هذا في مغرب العالم الإسلامي وذاك في مشرقه ، ولكنهما احتفظا بمنطلق علمي تنزه عن الأهواء ولم
هامش
( 1 ) توفيق الطويل ص 13 .