تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التصريف لمن عجز عن التأليف — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
لقد تقدم الطب كثيرا منذ جالينوس فنحن اليوم نشاهد الحصاة في مقرها في الكلية بكل وضوح وبعدة طرق شعاعية وتنظيرية ، كما أننا نعالج اليوم الحصاة في الكلية بعدة طرق أيضا وبصورة مختلفة كليا عن طرق الرازي والزهراوي ، ولكن أعراض الحصاة السريرية وتطور تلك الأعراض والعلائم السريرية كل ذلك لم يتغير بل كان هذا الوصف أكثر دقة في الماضي وأوسع تفصيلا ، ذلك لأنه كان الوسيلة الوحيدة للتشخيص . يدهشنا اليوم وصف النبض واختلافاته عند ابن زهر مثلا ، أو وصف البول عند ابن سينا ، والطبيب اليوم لم يعتد هذا التوسع في الوصف ، ذلك لأن تقدم الفيزياء والكيمياء وضع بين يدي الطبيب وسائل كثيرة ومؤكدة ، لمعرفة تبدّلات النّبض واختلاف البول ودلالة كل منهما ، وذلك دون أن يضع يده على نبض المريض أو ينظر في بوله . لقد ضمر الحس السريري عند الطبيب وسيزداد ضمورا مع تقدم وسائل التشخيص الحديثة . وتسعى مراكز التعليم الطبي لتلافي هذا الضّمور ، ذلك لأننا ما زلنا بحاجة إلى أطباء للمناطق النائية أو الفقيرة أو البعيدة عن المراكز المتطورة ، حيث لا يجد الطبيب أمامه إلا فحصه السريري للوصول إلى التشخيص . والحقيقة الثانية التي يجدر الإشارة إليها بهذا الصدد هي أن المؤلفين في العصور الخالية كانوا يحيطون الكتاب من سلفهم بهالة من التقدير والإكبار ويتناولون مؤلفاتهم بالشرح والتفسير ، فكانت كتب الفاضلين أبقراط وجالينوس لا يساورها شك وآراؤهم منزّهة عن كل خطأ ، فجالينوس شرح أبقراط ، والكتاب العرب شرحوا جالينوس ، كما شرحوا كتب الرواد من الأطباء العرب .