ولا يتفرق ، وذلك أن الرطوبة الرقيقة الماهية تنحل وتصير بخاراً فتنشف وتنحل سريعاً ، وهي مع هذا تتجزأ ايضاً وتتفرق ولا تلبث كلّبث الرطوبة اللزجة الدسمة ولا سيما إذا كان المجرى الّذي هي مصبوبة فيه قائماً منتصباً .
وأما الرطوبة اللزجة الدسمة : فإنّها تمكث زماناً طويلا من غير أن تتجزأ وتتفرق ولا تجف سريعاً .
فلولا انه كان قد احتيط في هيئة الحنجرة غاية الاحتياط في سائر حالاتها واعدت لها هذه الرطوبة ليبست ، وكان في ذلك فساد الصوت من قبل سرعة جفوف طبق الحنجرة .
وسائر أجزاء الحنجرة كما نجد ذلك يعرض في بعض الأوقات متى حدثت أسباب قوية ففسد بها مجرى أفعال الطبيعة ، ومن ذلك أن الّذي تعرض لهم الحمى المحرقة والّذين يسافرون في الحر الشديد سفراً متعباً لا يمكنهم الكلّام حتى يبلوا حلوقهم ، وفيما وصفنا من طبق الحنجرة كفاية .
إلى هاهنا ذكر منافع الجرم الشبية بلسان المزمار ، ومن هاهنا إلى قريب من آخر ما أثبته ذكر منافع القصبة » .
ثم قال : بعد كلّامه في عضل الحنجرة .
[
في منافع قصبة الرئة
] « ولا أحسبك بعد معرفتك بهذا تتعجب ولا تبحث كما كان يتعجب جميع الناس ومن تقدمنا من الأطباء والفلاسفة وبحث عن السبب الّذي به صارت الرطوبة في وقت الازدراد تنفع في المريء ولا تنفع في قصبة الرئة » .
وزعموا أن السبب في ذلك من قبل العضل الّذي في أصل اللسان ، وظنوا انه لما كان هذا العضل صارت الحنجرة تصعد في وقت الازدراد وترتفع إلى ناحية طبقها ، وذلك أنه لما كانت الحنجرة تنطبق انطباقاً محكماً حتى أن الهواء الّذي يدفعه الصدر دفعاً قوياً شديداً لا يستطيع أن يفتحها ، فلم يكن ينبغي أن تطلب معرفة سبب غير هذا الّذي لمكانه صار الشراب لا ينزل إلى الرئة .
وكان الأولى بهم - / إذ كان قد رق فم الحنجرة وتجوف تجويفاً لزمه باضطرار