إحداهما : انه جعل منتصباً إلى قدام لا ميل فيه لا إلى فوق ولا إلى أسفل .
الثانية : انه جعل واقفاً مدة عمر الانسان لا ينمو ولا يطول .
فأما الانتصاب إلى قدام : فليمنع الآفات الواردة على العين من خارج ، ولئلا ينسبل على العين فيمنع البصر ، وذلك أنه لو كان الجفن الأعلى نابتاً إلى فوق لم يكن يمنع شيئاً مما يصل إلى العين من فوق ولا كان ينطبق عليها إذا أراد الإنسان أن يطبقه ، ولو كان نابتاً إلى أسفل لستر العين ومنعها من أن تبصر جيداً .
[ وأما الجفن الأسفل : فلو كان نابتاً إلى فوق لستر العين ومنعها من أن تبصر جيداً ، ولو كان نابتاً إلى أسفل لما كان يمنع ما يصل إلى العين من الأشياء المؤذية ولا كان يمكن فيه أن ينطبق على العين ] « 1 » .
وأما وقوف شعر الأجفان مدة عمر الانسان لا يزيد ولا يطول ، وشعر الرأس واللحية يزيدان ويطولان ، فان الطبيعة جعلت شعر الأجفان في وقت كون الجنين مع الأعضاء الأصلية بالمقدار الّذي احتاجت اليه وركزته في أطراف الأجفان وصيرت أطراف الأجفان جرماً « 2 » صلباً حتى لا يمكن أن ينفذ فيه البخار الدخاني الّذي هو مادة الشعر من داخل إلى خارج ، ولكن يبقى شعر الأجفان متمكناً منتصباً لا ميل فيه لأنه لو كانت أطراف الأجفان لينة بمنزلة ما عليه سائر الجلد لكان الشعر لا يبقى منتصباً لكن يميل إلى أسفل وينسبل على العين بمنزلة النبات الّذي ينبت في الأرض الرخوة الرطبة فانّه يطول ويميل إلى جانب ، والنبات الّذي ينبت في الأرض الصلبة لا يكاد ينمو كثيراً بل يبقى قوياً قصيراً منتصباً متمكناً من الأرض لا يسهل قلعه ، فلذلك صارت أطراف الأجفان صلبة ، وكذلك ايضاً جعل نبات شعر الحاجبين في جلدة قريبة من طبيعة جلدة أطراف الأجفان في الصلابة لأنه لم يكن يحتاج فيها إلى أن يطول شعرهما على طول الزمان شيئاً يسيراً بحسب نقصان جلدتهما في الصلابة عن أطراف الأجفان ، فبهذا الشعر الذي قصدت الطبيعة للزينة والتوقية ، أعني شعر الرأس وشعر الحاجبين وشعر الأجفان .
هامش
( 1 ) في نسخة م فقط .
( 2 ) في نسخة م : جسماً