بالبرء والسلامة من تلك الأعراض ، فتستريح النفوس إليها وتأنس بها ، ويكون ذلك سبب برئهم وخلاصهم مما وقعوا إن شاء اللّه .
وقد يعرض لكثير من عقلاء الناس وأصحائهم علل كثيرة تولدها في أجسادهم وأوهامهم من طريق الرعب واستشعار الخوف وفساد الظن ، وذلك مما يستشعر الإنسان أنه ستناله علة قد رآها بغيره أو يقع وهمه أنها قد نالته ، فيتمكن ذلك الظن الفاسد في نفسه ويقوى الخوف في قلبه فيمرضه ويوقعه في تلك العلة بعينها . وإنا لنجد برهان ذلك ظاهرا في الذي يرى غيره يتثاءب فيتثاءب هو على المكان بإزائه ، وكالذي يرى العين الرمداء فيتصور له أنه سيرمد فيرمد لوقته ، أو يرى بإزائه رجلا قد غلبته سنة النعاس وهو يميل رأسه فيكاد أن يسقط ، فيناله لوقته مثل ذلك .
فأما فعل الفزع في النفوس عند توهمهم أنه قد نزل بهم أشياء قاتلة مميتة لشيء يعرض لهم بغتة ، فيكون ذلك سبب تلفهم ، كالذي تلسعه الأفعى وهو سكران فلا يعقل بما يناله لشدة سكره ، فلا يجري سمها في جسده لشدة انتشار الحرارة الغريزية التي أثرها الشراب في سطح جسمه ودفعها السم عن الجري إلى أعضائه الرئيسة كجريه في جسد من عاينها عند لسعها إياه ففزع وارتاع خوفا من الموت ، فإذا أفاق السكران فقيل له بعد خلو الأوقات : إن الذي لسعك أفعى فحّ ، يجزع ويستشعر الهلاك فتنضم الحرارة الغريزية وتهرب إلى عمق جسده ، فيجري حينئذ السم الكامن مسرعا إلى قلبه ودماغه فيقتله لوقته ، وقد رأيت كثيرا ممن نالهم ذلك بعينه ، وشاهدت
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء — صفحة 320
مساهمون: محمد بن أحمد التميمي المقدسي
ص٣٢٠