مزاج هاتين القوتين اللتين في هذين الجزأين وغلب / عليه البرد واليبس بما تمدهما به المعدة من أبخرة المرة السوداء الفاسدة المنصبة إليها ، أو بما يتصعد إليها من البخار الغليظ السوداوي المنبعث من الطحال في الأوردة والشرايين المتصلة بهما ، فسد عند ذلك فعلها فتخيل الجزء المقدم وهو الفنطاسيا المصور من الأشياء الموحشة المفزعة ما لا حقيقة له وأداه إلى النفس الناطقة فراعها ذلك وأفزعها فاستوحشت منه وعرض لها سوء الظن الفاسد والهم الممرض ، فلجأت إلى استعمال الفكر واستشهاده على ما أداه إليها التخييل من الوهم الموحش لها الذي مثل في ذاتها ، فإن كان الجزء الفكري صحيح المزاج سليما من ذلك الفساد أبطل ما مثله لها التخييل الفاسد وأزاله عنها ومكن عندها بطلانه بالفكر الصحيح التمييزي ، وإن كان قد ناله من فساد المزاج ما نال الفنطاسيا صحح ذلك الوهم الفاسد في ذات النفس وشهد لها بوجوبه فأمرضها ذلك ، وبمرض النفس الناطقة ما يمرض القوى العقلية ويفسد أفعالها ، وبمرض القوى العقلية ما يمرض الروح الحيواني ، وبمرض الروح الحيواني ما يمرض الجسم ، وتضعف حواسه ويفسد لذلك رأيه ويبطل تمييزه ، فيتخيل الأشياء الباطلة ويقع في الأمراض الوهمية .
وقد قال جالينوس : « إن من الهموم النفسانية ما يقتل قتلا وشيكا ، كالذي عرض للزاجر المتطير الذي تكهن في يوم ميلاده فحتم على ما يكون من سنته كيف يكون في مثل اليوم الذي ولد فيه أوقع الفحص على جميع حوادث السنة ، ثم إنه تفزع لأجل طائر رآه يطير ويحوم عليه ومعه علامة الموت ، فلما
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء — صفحة 317
مساهمون: محمد بن أحمد التميمي المقدسي
ص٣١٧