ثم إنه قد رتب في الشريعة على الحرم أحكام عمدتها انه لا يجوز الدخول فيه لمن أراد دخول مكة المكرمة إلّا محرما ، فيجب على كل من قصد مكة الإحرام عند دخول الحرم ، فهو نظير الوضوء للصلاة الواجبة والمندوبة ، فإذا وجب الدخول بسبب من الأسباب وجب الإحرام وجوبا مقدميا مولويا وإذا لم يجب وجب وجوبا شرطيا كالوضوء للنافلة .
فظهر ممّا ذكرنا انه لا يجب الإحرام إلّا لدخول مكة فهو من مقدماته ، فإن لهذا البلد الأمين قداسة ومزية تقتضي أن يفده الوافدون بهذه الكيفية . قال صلّى اللّه عليه وآله يوم فتح مكة : ان اللّه حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض وهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلّا ساعة من نهار ، ومعنى عدم الحلية عدم جواز الدخول بدون رعاية آدابها الشرعية التي أهمها الإحرام .
ثم إنهم استثنوا من ذلك موردين الأول الخارج من بعد الإتيان بحج أو عمرة إذا أراد الدخول بها قبل مضي شهر من عمله السابق فإن له العود بدون الإحرام ما لم يمض شهر من نسكه السابق ، وقد علل ذلك في الموثقة بأن لكل شهر عمرة وهذا مبني على أن المراد بالتعليل انه لا عمرة إلّا عند مضي شهر من السابقة ، وقد يقال إن معنى التعليل ان الشارع شرع لكل شهر عمرة وليس للمكلف الإتيان بأكثر من ذلك في شهر ، من غير نظر إلى زمان الفصل بينهما ، ولا فرق بين الوجهين لو اتفق وقوع النسك الأول في أول شهر كرجب مثلا فان له الدخول بلا إحرام إلى أول شعبان ، ويظهر الفرق فيما لو اتفق وقوع السابق في عشرين من رجب مثلا ، فإنه يدخل بلا إحرام إلى آخره ، ولو أراد الدخول في أول شعبان مثلا لم يجز الإحرام إلى عشرين منه على الأول ووجب على الثاني .
المورد الثاني أحد العنوانين الآتيين على اختلاف بين الأصحاب ، الأول من يتكرر عنه الدخول والخروج كالحطاب ، والحشاش ، والمعيد للمريض ، والتاجر ، والسائق ونحوهم ، لورود النص بذلك وللزوم الحرج لو وجب لكل دخول ، والثاني المجتلب لمحاويج الناس إلى البلد من الأطعمة ، والألبسة ، ولوازم بناء البيت من الخشب والحديد والطوب ، تكرر ذلك أم اتفق في شهرين مرة ، والمسألة محل اختلاف راجع المطولات .
مصطلحات الفقه — صفحة 209
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٢٠٩