أيضا كما أن المشهور لولا كونه متفقا عليه عدم الحرمة في تصوير غير ذوات الأرواح كانت الصورة جسما أم لم تكن فمورد الكلام عندهم ثلاثة .
ولا يخفى عليك أن ما استدلوا على الحرمة في الأول فضلا عن الثاني مخدوش كله إما سندا أو دلالة ، ويحصل الظن أو الاطمئنان للمتأمل أنه كان المنع عن ذلك آنذاك على فرض ثبوته لأجل كونه معرضا لانحراف العقائد والرجوع إلى العادات الجاهلية ، حيث إن مسألة عبادة الأصنام والأوثان لم تكن زائلة بالكلية عن أوهام الجميع وأذهانهم ، والظاهر عدم بقاء هذا الملاك فيما بين المسلمين في هذه الأعصار مع كثرة التصاوير والتماثيل في بلاد المسلمين في الشوارع العامة وغيرها وعدم توهم أحد منهم قداسة خاصة لها فضلا عن الألوهية أو كونها مقربة إلى اللّه تعالى .
وما ذكره المحقق الأنصاري في مقام تأييده التحريم في الصورة الأولى من أن الحكمة في التحريم هي حرمة التشبّه بالخالق في إيداع الحيوانات وأعضائها على الإشكال المطبوعة التي يعجز البشر عن نقشها على ما عليه فضلا عن اختراعها انتهى . فغير سديد لا سيما مع ذكره في تجويزه تصوير غير ذوات الأرواح ، من قوله : وكذا مثل تمثال القصبات والأخشاب والجبال والشطوط مما خلقه اللّه لا على هيئة معجبة للناظر بحيث تميل النفس إلى مشاهدتها ولو بالصور الحاكية لها لعدم شمول الأدلة لها انتهى . إذا لا يخفى عليك ان مناظر الأجمة والأشجار وشطوط الأنهار والبحار بل وكذا الجبال ونحوها ، ليست بأقل من حيث الحسن والبهاء والإعجاب وميل النفس إلى النظر إلى نفسها في الخارج وإلى تصاويرها وتماثيلها ، من رؤية الغربان والعصافير أو الثعالب والأرانب والحيّات ، ويشهد بذلك أن تماثيل غير الحيوان قد أعجبت سليمان النبي عليه السلام ولذلك أمر الشياطين أن يعملوها على ما نطق به الكتاب وفسرته السنة ، إذا فالظاهر أن الحكمة في المنع لو ثبت فإنما هي ما ذكرنا ممّا زال في هذه العصور ولو فرضنا بقاء تلك الجهة في بعض الأمكنة والمناطق فلا مانع من القول بالحرمة هناك لذلك .
ثم إنهم ذكروا في المقام متفرعا على التحريم أن المرجع في الصورة إلى العرف فلا يقدح
مصطلحات الفقه — صفحة 148
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص١٤٨