وقد سبق منّا ذكر أسماء مشايخه وتلامذته .
يظهر من التدبّر في الكتب الفقهية المؤلّفة في القرن الرابع أنّه كانت الفتاوى في ذلك العصر تستعرض على نحوين .
أحدهما : ما كان عليه الصدوق ووالده وغيرهم من الإفتاء بنصوص الروايات تقريباً ، مع تجريدها عن الأسانيد ، وعلى ذلك ألّف الوالد كتاب « الشرائع » الذي هو الكتاب المعروف ب - « فقه الرضا » في هذه الأيام . وألّف الولد كتاب « الهداية » و « المقنع » ، فهما ومن تبعهما كانوا مجتهدين مستنبطين يستعملون النظر في استنباط الأحكام بتميز الصحيح عن غيره بعد تقييد المطلق بقيده وتخصيص العام بخاصّة دون الخروج عن النصوص الواردة في السنّة ، وقد دام هذا النمط من الاجتهاد بعد مضيهما وألّف الشيخ الطوسي « النهاية » على غرار ذلك النمط .
ويظهر من مقدّمة المبسوط انّ هذا النمط كان أكثر رواجاً في القرن الرابع . ( « 1 » )
والثاني : استنباط الأحكام من الكتاب والسنّة والقواعد العقلية التي دلّ عليها العقل الصريح وطبيعة ذلك الاجتهاد هو الخروج عن دائرة النصوص ، وعلى ذلك جرى ابن أبي عقيل في كتابه « المتمسك بحبل آل الرسول » ، وابن الجنيد في « تهذيبه » ، والمرتضى في « انتصاره » ، والشيخ في « مبسوطه » .
قد مضى أنّ النمطين كانا موروثين من فقهاء عصر الحضور ، فقد عرفت أنّ زرارة ويونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان كانوا مستنبطين ومفتين لا بلفظ النصوص بل كانوا يصبّون ما استنبطوه من الأدلّة في قالب التعبير .
وبذلك نقف على أنّ الدور الثاني كان امتداداً للدور الأوّل بإضافة
هامش
( 1 ) الطوسي : المبسوط : 12 / 1 .