وقد أدّى هذا إلى اضطرابات في بعض الإدارات الإسلاميّة من حيث تقدير أعمار العباد وتقدير أزمنة التقاعد ودفع المرتبات الخاصّة والتعويضات ، وهو ما جعل الأتراك العثمانيّين يقرّرون - في بعض الإدارات - اعتماد التقويم الشمسي مباشرة .
وهنا نشير إلى أنّ بعض الحكّام والعلماء من العصور الإسلاميّة المختلفة كانوا أيضا قد اقترحوا اعتماد التقويم الشمسي المعروف عند المسيحيّين والغربيّين ، وذلك في الأمور الإداريّة والدنيويّة .
واحتجّوا بكون جدول التوقيت الإسلامي مخالفا لباقي الجداول البشريّة على الإطلاق ممّا يعوق تعامل دولة المسلمين مع الدول الأخرى ، ورفض الجمهور هذه الاقتراحات لسببين رئيسيين هما :
أوّلا : أنّنا لا نحتاج إلى اتباع سلوك المجتمعات الأخرى ( والحضارات سجال ) وأنّه من المهمّ والضروري المحافظة على هويّة مستقلّة للمسلمين أفرادا وجماعات ، وثانيا : أنّ صاحب الشريعة قد أمرنا باعتماد الهلال ( ورؤيته ) في الصوم خاصّة ، وإنّ إثبات دخول رمضان وشوّال يؤثّر على التقويم الزمني للسنة كلّها وفي جميع المجالات ( من العبادات والمعاملات ) .
لكن صعوبة المشكلة عندنا - نحن المسلمين - تكمن في أنّ الأمر لا يتعلّق فقط بوضع جدول تقويم سنوي واضح وموحّد - وهو أمر بالغ الأهميّة والتأثير - بل يتعلّق أيضا بكيفيّة إثبات الشهور ، خاصّة بعد أمر صاحب الشريعة باعتماد رؤية الهلال الجديد لتقدير أو إثبات دخول شهري رمضان وشوّال على الخصوص .
ونودّ الإشارة إلى أنّ الشهر الهلالي ، القائم على إثبات الدخول برؤية الهلال ، لم يبتكره صاحب الشريعة ولا المسلمون ، بل كانت قبائل ومجتمعات قديمة عديدة قد اعتمدته ، خاصّة قبل أن يحرز علم الفلك التطوّر الكافي ، حتّى أنّ لفظ « هلال » ذاته يقال : إنّه اسم الإله الذي كانت تصرخ به بعض القبائل حين ترى القمر الجديد ، كما يقول الباحث فرانس برون
niurB
في مقاله « الرؤية الأولى للهلال القمري » ( انظر المرجع في القائمة المثبتة بآخر الكتاب ) .
إنّ المسلمين ، وللأسف الشديد ، لم يتابعوا السير في النهج الذي أضاء لهم القرآن معالمه وعبّدت لهم السنّة دروبه ، حتّى أنّ الناظر إلى حالهم يتوهّم أنّ ثقافتهم لا تعرف من الزمان إلّا صبغته الميتافيزيقيّة ، أي اللانهائيّة ، التي من نماذجها قول ابن حزم بوهميّة الزمان الخالص ، إذ