وأيضا يكون نظير ما رواه حريز عن أبي أسامة أو غيره قال : صعدت مرّة جبل أبي قبيس والناس يصلّون المغرب ، فرأيت الشمس لم تغب ، إنّما توارت خلف الجبل عن الناس ، فلقيت أبا عبد الله عليه السّلام فأخبرته بذلك ، فقال لي : « ولم فعلت ذلك ؟ ! بئس ما صنعت ، إنّما تصلّيها إذا لم ترها خلف جبل ، غابت أو غارت ما لم يتجلّلها سحاب أو ظلمة تظلّها ، وإنّما عليك مشرقك ومغربك ، وليس على الناس أن يبحثوا » « 1 » .
قال الشيخ الطوسي رحمه اللّه في مقام نفي التنافي بين هذا الخبر وبين ما اعتبره في غيبوبة الشمس من زوال الحمرة من ناحية المشرق ما هذا لفظه : « لأنّه لا يمتنع أن يكون قد زالت الحمرة عنها وإن كانت الشمس باقية خلف الجبل ، لأنّها تغرب عن قوم وتطلع على آخرين ، وإنّما نهى عن تتبّعها وصعود الجبل لرؤيتها ، لأنّ ذلك غير واجب ، بل الواجب عليه مراعاة مشرقه ومغربه مع زوال اللبس والأعذار » « 2 » .
فلسان تلك الرواية الواردة في شأن الحسّاب ، لسان ما ورد في بعض الروايات الأخر ، مثل قوله عليه السّلام : « إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، وليس بالرأي ولا بالتظنّي ، ولكن بالرؤية » وقوله عليه السّلام : « إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدّوا بالتظنّي » .
وكأنّ الإمام عليه السّلام أعرض عن جواب سؤال السائل صريحا وأجابه بما يفيده في مقام العمل ، وإن كان يفهم من خلاله جواب السؤال أيضا ؛ حيث إنّ السائل لم يسأل الإمام عليه السّلام عن تكليفه بالصيام ولم يكن له في ذلك إشكال ؛ لأنّه صرّح بعدم رؤيته وعدم رؤية الناس الهلال من دون وجود علّة في السماء ، بل الظاهر أنّ في استخراج أهل الحساب كانت الرؤية ممتنعة في بلده حيث أناط إمكان الرؤية على نظرهم بتلك البلاد البعيدة خاصّة ، فهو كان بانيا على عدم دخول شهر رمضان في بلده على ما هو المرتكز في ذهنه من عدم كفاية الرؤية في البلاد البعيدة لبلده على فرض الوقوع ، ولكنّه كان شاكّا في اختلاف الآفاق وأنّه هل تجوز الرؤية في بلد فيترتّب عليها أحكام الرؤية وعدم الرؤية في آخر فلا يترتّب عليها أحكامها ، ولعلّه كان يتخيّل أنّ الأرض مسطّحة ، فتأمّل « 3 » .
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 4 ، ص 198 ، أبواب المواقيت ، الباب 20 ، ح 2 .
( 2 ) . الاستبصار ، ج 1 ، ص 266 ، وط . الغفّاري : ج 1 ، ص 304 .
( 3 ) . الأفق أو الآفاق ، ص 46 - 49 .