بالعناية الإلهيّة ، التي تدبّر أمور الخلق وتهديهم إلى صلاح حياتهم . والتقطيع الظاهر الذي يستفيد منه العالم والجاهل ، والبدوي والحضري ، ويسهل حفظه على الجميع ، إنّما هو تقطيع الأيّام بالشهور القمريّة ، الذي يدركه كلّ صحيح الإدراك ، مستقيم الحواس من الناس ، دون الشهور الشمسيّة التي ما تنبّه لها ولشأنها ولم ينل دقيق حسابها الإنسان إلّا بعد قرون وأحقاب من بدء حياته في الأرض ، وهو مع ذلك ليس في وسع جميع الناس دائما « 1 » .
أمّا تفسير ابن كثير فلم نجد ما يستحقّ ذكره زيادة على ما أوضحنا سابقا . إنّما يطالعنا العلّامة القرطبي في تفسيره للقرآن الكريم الجامع لأحكام القرآن بشروحاته المميّزة ، عندما يأتي على هذه الآية فيقول :
قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
، تبيين لوجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه . وهو زوال الإشكال في الآجال والمعاملات ، والأيمان والحجّ ، والعدّة ، والصوم والفطر ، ومدّة الحمل ، والإجارات والأكرية ، إلى غير ذلك من مصالح العباد . ونظيره قوله تعالى :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
« 2 » وقوله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
« 3 » . وإحصاء الأهلّة أيسر من إحصاء الأيّام « 4 » .
ولئن وضح - باعتقادي - تفسير وشرح الآية الكريمة ، معنى ومدلولا ، من قبل المفسّرين الذين مرّ ذكرهم ، وهم قمم شوامخ في هذا الميدان ، نتقدّم بالدعامة الثانية للقاعدة الفقهيّة فيما يتعلّق بالصوم ، وكما بيّنّا سابقا أنّ هذه الدعامة نصّ عليها الشارع الحكيم ، وهذه بعض أقواله وآثاره :
1 . قال رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
جعل الله الأهلّة مواقيت للناس ، فصوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فإن غمّ عليكم فعدّوا له ثلاثين يوما « 5 » .
هامش
( 1 ) . الميزان ، ج 2 ، ص 55 - 56 .
( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 12 .
( 3 ) . يونس ( 10 ) : 5 .
( 4 ) . الجامع لأحكام القرآن ، ج 2 ، ص 342 .
( 5 ) . كنز العمّال ، ج 8 ، ص 489 ، ح 23768 .