ألا وهو حدوث تفاوت في صيام قطاعات من المسلمين قبل غيرها في المناطق والقطاعات الأخرى ، ممّا يدفع بالفاطميّين لأن يرفعوا عقيرتهم محتجّين بأنّ هذا الواقع المفروض يتنافى مع قاعدتهم ، والبرهنة على صحّة قاعدتهم دونها خرط القتاد .
نستميحهم العذر وندعوهم ليشاركونا بالاستماع إلى عدد من فقهاء المسلمين وهم يشرحون لنا بكلّ سهولة ويسر ، معتمدين على أقوال الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كيف علّلوا وفسّروا هذه الواقعة ، والتي كثيرا ما تحصل وفي كثير من الأعوام ، كما جاء في مقدّمة المقال موضوع حديثنا هذا .
فإذا بدأنا رحلتنا مع القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن ، حيث يقول تعقيبا على تفسيره للآية الكريمة
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
« 1 » :
روي عن ابن عبّاس ، والحسن البصري أنّ هذه الآية في تقديم الأهلّة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم ، فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجّة ، فوقفوا قبل عرفة بيوم ، أو وقفوا يوم النحر أجزأهم .
ثمّ يتابع قائلا :
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « فطركم يوم تفطرون ، وأضحاكم يوم تضحّون » أخرجه أبو داود والدارقطني . والمعنى ( والكلام لا يزال للقرطبي ) باجتهادكم من غير حرج يلحقكم ، وقد روى الأئمّة أنّه عليه السّلام سئل يوم النحر عن أشياء ، فما سئل عن أمر ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها ، إلّا قال فيها : « افعل ولا حرج » « 2 » .
وهذا عين ما نجده لدى أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السّلام حين كتب إليه أبو عمر - أحد أصحابه - قائلا :
أخبرني يا مولاي أنّه ربّما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه ، ونرى السماء ليست علّة ، فيفطر الناس ونفطر معهم ؟ ويقول قوم من الحسّاب قبلنا : إنّه يرى تلك الليلة بعينها في مصر ، وإفريقيّة ، والأندلس ، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب ، حتّى يختلف الفرض على أهل الأمصار ، فيكون صومهم خلاف صومنا ، وفطرهم خلاف فطرنا ؟ فوقّع عليه السّلام : « لا تصومنّ للشكّ ، أفطر لرؤيته ، وصم لرؤيته » .
هامش
( 1 ) . الحجّ ( 22 ) : 78 .
( 2 ) . الجامع لأحكام القرآن ، ج 12 ، ص 101 .