بيان : من قبل نفس المصدر يظهر من كلامه عليه السّلام : أنّ المدار على الرؤية ، واختلاف الفرض إن وقع الاختلاف فيه ، غير ضائر « 1 » .
لقد شجّعنا رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأن نتحمّل مشاقّ سفر طويل عبر التاريخ . نطرق في نهاية سفرنا هذا باب رجل ملأ الدنيا بسمعته وشهرته . إنّه أبو الريحان البيروني . ذلك الرجل اللبق العبق . فهو العالم ، وهو الرياضي ، والفلكي والمؤرّخ . نقرأ ما كتبه عن موضوع الأهلّة والصيام وفق الرؤية كيف يكون ، ووفق القاعدة كيف كان وحقيقة صدق من قال : لكلّ مقام مقال ، ولكلّ دهر رجال . ففي أبي الريحان نجد بغيتنا وعلى الخبير سقطنا .
استمع إليه وهو يتحدّث بكلّ ثقة وثبات وكأنّه بحر لا ينضب . فيقول :
يبتدءون بالشهر عند رؤية الهلال ، وكذلك شرع في الإسلام ، كما قال الله ( تعالى ) :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
، ثمّ [ منذ سنين ] نبتت نابتة ونجمت ناجمة ونبغت فرقة جاهليّة ، فنظروا إلى أخذهم بالتأويل ، وميلهم إلى اليهود والنصارى ، فإنّ لهم جداول وحسابات ، يستخرجون بها شهورهم ، ويعرفون منها صيامهم ، والمسلمون مضطرّون إلى رؤية الهلال . . .
ووجدوهم شاكّين فيه مختلفين ، مقلّدين بعضهم بعضا ، بعد استفراغهم أقصى الوسع في تأمّل مواضعه ، وتفحّص مواقعه ، ثمّ رجعوا إلى أصحاب [ علم ] الهيئة - علم الفلك - فألّفوا زيجاتهم - الجداول الفلكيّة - وكتبهم مفتتحة بمعرفة أوائل ما يراد من شهور العرب ، بصنوف الحسابات ، وأنواع الجداول ، فظنّوا أنّها معمولة لرؤية الأهلّة وأخذوا بعضها ، ونسبوه إلى الإمام جعفر الصادق عليه السّلام ، وأنّه سرّ من أسرار النبوّة .
وبعد أن يشرح موضّحا الحسابات المبنيّة على النيّرين - الشمس والقمر - وغير ذلك ممّا لا فائدة لنا فيه ، يتابع قائلا :
وقالوا : - أي أصحاب الجداول والحسابات - وإنّ شهر رمضان لا ينقص عن ثلاثين . فأمّا أصحاب علم الهيئة ومن تأمّل الحال بعناية شديدة ، فإنّهم يعلمون أنّ رؤية الهلال غير مطّردة على سنن واحد ، لاختلاف حركة القمر المرئيّة ، بطيئة مرّة وسريعة أخرى ، وقربه من الأرض وبعده ، وصعوده في الشمال والجنوب ، وهبوطه فيهما ، وحدوث كلّ واحد من هذه الأحوال له في كلّ نقطة من فلك البروج . ثمّ بعد ذلك ، لما يعرض من سرعة
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 159 ، ح 446 ؛ بحار الأنوار ، ج 55 ، ص 375 - 376 ، ح 6 .