تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 3475

مساهمون:

ص٣٤٧٥

الوجه السادس : النظرة الفلسفيّة للرؤية

يلفت الفاطميّون النظر إلى أنّ الله ( سبحانه وتعالى ) خلق الأشياء كلّها أزواجا ليكون المتفرّد بالوحدانيّة هو ، فقال ( عزّ من قائل ) :
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها . . .
« 1 » وقال :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
« 2 » ، فالسماء تقابلها الأرض ، والليل يقابله النهار ، والخير يقابله الشرّ ، والدنيا تقابلها الآخرة ، والذكر تقابله الأنثى ، الخ . . . وقال الفاطميّون : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم جعل أساس شريعته وقاعدتها على الزوجيّة دلالة على توحيد الله ، فقرن الصلاة بالزكاة ، والأذان بالإقامة ، والحجّ بالعمرة ، والركوع بالسجود ، والصفا بالمروة ، الخ . . . ومن هنا فإنّ الرؤية رؤيتان أيضا ، إحداهما مقرونة بالأخرى : رؤية طبيعيّة ، ورؤية نفسانيّة ، فالرؤية الطبيعيّة ما تكون بالعين ، وهي التي تدرك الألوان والأشكال ، وغيرها لوقوعها تحت الحسّ ، وأمّا الرؤية النفسانيّة فهي ما يكون من جهة العلم والقلب والنفس ، وهي تدرك ما لا تدركه الرؤية الطبيعيّة . قال تعالى :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
« 3 » ، وقال :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
« 4 » ، والرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن في زمان أصحاب الفيل فيراهم ، وإنّما المراد به رؤية النفس التي تكون من جهة الفؤاد والعلم ، وأخطاء الرؤية الطبيعيّة لا تخفى على أحد ؛ لأنّها من جهة فعل الإنسان ، بينما لا توجد أخطاء للرؤية النفسيّة التي هي من جهة تقدير الله ( عزّ وجلّ ) ، حيث قدّر ، ثمّ أمر بالإيمان بما قدّر بعد تعليمنا عبر الرسول والكتب السماويّة ، والرؤية النفسيّة أرقى من الرؤية الطبيعيّة ، لذلك وجب الأخذ بها دائما ، بينما الرؤية الطبيعيّة أدنى من الأولى ، ولا يؤخذ بها إلّا عند الضرورة ، كغياب الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو من يقوم مقامه ، أو غياب القاعدة العلميّة أو من يوضحها . ويقول الفاطميّون : إن كان إيمان الإنسان أو علمه لا يحصلان إلّا بالرؤية الطبيعيّة التي هي وقوع البصر على المراد ، فكيف أقرّ الناس بالله ، ولم يسبق هذا الإقرار رؤية طبيعيّة ؟
هامش
( 1 ) . يس ( 36 ) : 36 . ( 2 ) . الذاريات ( 51 ) : 49 . ( 3 ) . النجم ( 53 ) : 11 . ( 4 ) . الفيل ( 105 ) : 1 .