لقد فصل الفاطميّون فصلا تامّا بين صفة المنجّم ، والتي هي للشخص ، وبين التنجيم الذي هو علم الفلك والحساب الذي ذكر في القرآن الكريم ، وقالوا : إنّ المنجّم هو ذلك المشعوذ - في عرفنا اليوم - وهو ذاك الذي يوهم الناس بمعرفته للغيب ، وهذا ممّا لا يقبل به الفاطميّون ولا سواهم من المسلمين ، وهم - أي الفاطميّون - يستغربون كيف تمّت عمليّة الخلط بين المنجّم والتنجيم ، والشاعر يقول ( من الطويل ) :
وإن كان ذنب المسلم اليوم جهله * فما ذا على الإسلام من جهل مسلم
ويتساءل الفاطميّون : بأيّ حقّ يحرم المسلمون التنجيم - كعلم - وهم أنفسهم يعملون به لأداء فريضة الصوم ؟ أليس التماس الهلال ضربا من التنجيم ، كما يقول الآخرون ؟ أليس التفكّر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار هو أيضا من التنجيم ؟
قال ( تعالى ) :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
« 1 » .
وقال ( عزّ وجلّ ) :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
« 2 » .
وقال :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
« 3 » .
وليست الآفاق إلّا السماوات وما فيها ، ثمّ لو كان الأمر على ما يقول البعض لما أقسم الله تعالى بالنجوم ، ولما وصفها بالدلالة على وحدانيّته بقوله ( تبارك وتعالى ) :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
« 4 » .
ونتيجة تدبّر الفاطميّون لآيات القرآن الكريم التي تحكي قصّة خلق الكون ومسيرته وفق نظام دقيق محكم ، فقد برعوا في علم الفلك قربة إلى الله وخدمة للإسلام والمسلمين ، وكشفوا عن الدورة القمريّة التي كانت القاعدة الثابتة لصومهم ، حيث ما زال بقاياهم من البهرة في الهند وباكستان وسوريّة يصومون عليها .
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 191 .
( 2 ) . غافر ( 40 ) : 57 .
( 3 ) . فصّلت ( 41 ) : 53 .
( 4 ) . الفرقان ( 25 ) : 61 .