ومن المعروف أنّ هذه التقاويم تختلف بين بعضها وبعض ، فمنها ما يجعل شعبان ( 29 ) يوما ، ومنها ما يجعله ( 30 ) ، وكذلك رمضان ، وذو القعدة وغيرها .
ومن أجل هذا الاختلاف رفضوها كلّها ، لأنّها لا تقوم على علم يقيني ، لأنّ اليقين لا يعارض بعضه بعضا . وهذا صحيح بلا ريب ، ولكن ليس هذا هو الحساب العلمي الفلكي الذي نعنيه .
إنّ الذي نعنيه هو ما يقرّره علم الفلك الحديث ، القائم على المشاهدة والتجربة ، والذي غدا يملك من الإمكانات العلميّة والعمليّة ( التكنولوجية ) ما جعله يصل بالإنسان إلى سطح القمر ، ويبعث بمراكز فضائية إلى الكواكب الأكثر بعدا ، وغدت نسبة احتمال الخطأ في تقديراته 1 - 100000 ( واحدا إلى مائة ألف في الثانية ) . وأصبح من أسهل الأمور عليه أن يخبرنا عن ميلاد الهلال فلكيّا ، وعن إمكان ظهوره في كلّ أفق بالدقيقة والثانية ، لو أردنا .
وقد كنت ناديت منذ سنوات بأن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي - على الأقلّ - في النفي ، لا في الإثبات ، تقليلا للاختلاف الشاسع الذي يحدث كلّ سنة في بدء الصيام ، وفي عيد الفطر ، إلى حدّ يصل إلى ثلاثة أيّام بين بعض البلاد الإسلاميّة وبعضها الآخر . ومعنى الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية وفقا لرأي الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا ، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية ، وقال : إنّها غير ممكنة ؛ لأنّ الهلال لم يولد أصلا في أيّ مكان من العالم الإسلامي ، كان الواجب ألّا تقبل شهادة الشهود بحال ، لأنّ الواقع - الذي أثبته العلم الرياضي القطعي - يكذّبهم ، بل في هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلا ، ولا تفتح المحاكم الشرعيّة ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينيّة أبوابها ، لمن يريد أن يدلي بشهادة عن رؤية الهلال .
هذا ما اقتنعت به وتحدّثت عنه في فتاوى ودروس ومحاضرات وبرامج عدّة ، ثمّ شاء الله أن أجده مشروحا مفصّلا لأحد كبار فقهاء الشافعية ، وهو الإمام تقي الدين السبكي ( ت 756 ه ) الذي قالوا عنه : إنّه بلغ مرتبة الاجتهاد .
فقد ذكر السبكي في فتاواه أنّ الحساب إذا نفى إمكان الرؤية البصرية فالواجب على القاضي أن يردّ شهادة الشهود ، قال : لأنّ الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنّيان ، والظنّ لا يعارض القطع ، فضلا عن أن يقدّم عليه .
وذكر أنّ من شأن القاضي أن ينظر في شهادة الشاهد عنده ، في أيّ قضية من القضايا ، فإن
رؤيت هلال ( فارسي ) — صفحة 3462
مساهمون: رضا مختاري
ص٣٤٦٢