« غبي عليكم » أي حال دونه حائل ، ففي بعض الروايات الصحيحة ، ومنها مالك عن نافع عن ابن عمر ، وهي السلسلة الذهبية ، واضح الأسانيد عند البخاري : « إذا غمّ عليكم فاقدروا له » ، فما معنى « اقدروا له » ؟
قال النووي في المجموع :
قال أحمد بن حنبل وطائفة قليلة : معناه : ضيّقوا له ، وقدروه تحت السحاب ، من ( قدر ) بمعنى ضيق كقوله ( قدر عليه رزقه ) وأوجب هؤلاء صيام ليلة الغيم .
وقال مطرف بن عبد الله ( من كبار التابعين ) وأبو العبّاس بن سريج وابن قتيبة وآخرون :
معناه : قدروه بحسب المنازل .
وقال أبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف : معناه : قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما .
واحتجّ الجمهور بالروايات التي ذكرناها ، وكلّها صحيحة صريحة : « فأكملوا العدّة ثلاثين » ، « فاقدروا له ثلاثين » ، وهي مفسّرة لرواية « فاقدروا له » المطلقة « 1 » .
ولكن الإمام أبا العبّاس بن سريج لم يحمل إحدى الروايتين على الأخرى ، بل نقل عنه ابن العربي أنّ قوله : « فاقدروا له » خطاب لمن خصّه الله بهذا العلم ، وأنّ قوله « أكملوا العدة » خطاب للعامّة « 2 » .
واختلاف الخطاب باختلاف الأحوال أمر وارد ، وهو أساس لتغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان والحال .
قال الإمام النووي في المجموع :
ومن قال بحساب المنازل ، فقوله مردود ، بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الصحيحين : « إنّا أمة أمّيّة ، لا نكتب ولا نحسب » . . . الحديث .
قالوا : ولأنّ الناس لو كلّفوا بذلك ضاق عليهم ، لأنّه لا يعرف الحساب إلّا أفراد من الناس في البلدان الكبار « 3 » .
والحديث الذي احتجّ به الإمام النووي لا حجّة فيه ، لأنّه يتحدّث عن حال الأمة ، ووصفها
هامش
( 1 ) . المجموع ، ج 6 ، ص 270 .
( 2 ) . انظر فتح الباري ، ج 6 ، ص 23 .
( 3 ) . المجموع ، ج 6 ، ص 270 .