وسيلة أدقّ وأضبط وأقرب إلى توحيد كلمة المسلمين ، بدل هذا الاختلاف الشاسع الذي نراه في كلّ صيام وفطر ، بين أقطار الإسلام بعضها وبعض ، إلى حدّ يصوم بعضهم الخميس وبعضهم الجمعة ، وبعضهم السبت « 1 » مثلا .
وقبله كتب العلّامة السيّد رشيد رضا داعيا للعمل بالحساب القطعي ، في مجلّة المنار ، وفي تفسيره لآيات الصيام .
ومن المنادين بهذا الرأي في عصرنا الفقيه الكبير الشيخ مصطفى الزرقاء .
والذي يظهر من الأخبار أنّ الذي رفضه الفقهاء من علم الهيئة أو الفلك ، هو ما كان يسمّى ( التنجيم ) أو ( علم النجوم ) وهو ما يدّعى فيه معرفة بعض الغيوب المستقبليّة عن طريق النجوم ، وهذا باطل ، وهو الذي جاء فيه الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن ابن عبّاس مرفوعا : « من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر » « 2 » .
وقال الإمام ابن دقيق العيد :
الذي أقول : إنّ الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجّمون ، فإنّهم قد يقدّمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين ، وفي اعتبار ذلك إحداث شرع لم يأذن به الله . وأمّا إذا دلّ الحساب على أنّ الهلال قد طلع على وجه يرى ، لكن وجد مانع من رؤيته كالغيم ، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي .
وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله :
لكن يتوقّف قبول ذلك على صدق المخبر به ، ولا نجزم بصدقه إلّا لو شاهد ، والحال أنّه لم يشاهد ، فلا اعتبار بقوله إذن ، والله أعلم « 3 » .
ولكن علم الفلك الحديث يقوم على المشاهدة بوساطة الأجهزة وعلى الحساب الرياضي القطعي . ومن الخطا الشائع لدى كثير من علماء الدين في هذا العصر اعتقادهم أنّ الحساب الفلكي هو حساب أصحاب التقاويم ، أو النتائج ، التي تطبع وتوزّع على الناس ، وفيها مواقيت الصلاة ، وبدايات الشهور القمريّة ونهايتها ، وينسب هذا التقويم إلى زيد ، وذاك إلى عمرو من الناس ، الذين يعتمد معظمهم على كتب قديمة ينقلون منها تلك المواقيت ، ويصفونها في تقويماتهم .
هامش
( 1 ) . كما حدث في بدء رمضان هذا العام 1409 ه .
( 2 ) . رواه أحمد في المسند ، ج 1 ، ص 512 ، ح 2836 .
( 3 ) . تلخيص الحبير ، ج 2 ، ص 188 ، ذيل الحديث 879 .