أجازوا في حالة الغيم أن يشهد برؤيته واحد ، إذ ينشقّ عنه الغيم لحظة فيراه واحد ، ولا يراه غيره من الناس . ولكن إذا كانت السماء مصحية ، ولا قتر ولا سحاب ولا علة ولا حائل يحول دون الرؤية ، فما الذي يجعل واحدا من الناس يراه دون الآخرين ؟ لهذا قالوا : لا بدّ من إخبار جمع عظيم ؛ لأنّ التفرّد من بين الجمّ الغفير بالرؤية - مع توجّههم طالبين لما توجّه هو إليه ، مع فرض عدم المانع ، وسلامة الأبصار - وإن تفاوتت في الحدة - ظاهر في غلطه « 1 » .
وأمّا خبر ابن عمر والأعرابي - وفيهما إثبات الهلال برؤية واحد - فقد قال العلامة رشيد رضا في تعليقه على المغني :
ليس في الخبرين أنّ الناس تراءوا الهلال فلم يره إلّا واحد ، فهما في غير محلّ النزاع ، ولا سيّما مع أبي حنيفة ، وبهذا يبطل كلّ ما بني عليهما « 2 » .
وأمّا عدد الجمع العظيم فهو مفوّض إلى رأي الإمام أو القاضي من غير تقدير بعدد معيّن على الصحيح « 3 » .
ومن الواجب على المسلمين التماس الهلال يوم التاسع والعشرين من شعبان عند الغروب ، لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب ، إلّا أنّه واجب على الكفاية .
والطريقة الثانية :
إكمال عدة شعبان ثلاثين ، سواء كان الجوّ صحوا أم غائما ، فإذا تراءوا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ولم يره أحد ، استكملوا شعبان ثلاثين .
وهنا يلزم أن يكون ثبوت شعبان معروفا منذ بدايته ، حتّى تعرف ليلة الثلاثين التي يتحرّى فيها الهلال ، ويستكمل الشهر عند عدم الرؤية . وهذا أمر يقع فيه التقصير ، لأنّ الاهتمام بإثبات دخول الشهر لا يحدث إلّا في أشهر ثلاثة فقط : رمضان لإثبات الدخول في الصيام ، وشوّال لإثبات الخروج منه ، وذي الحجّة لإثبات يوم عرفة وما بعده . وينبغي على الأمّة ، وعلى أولي الأمر فيها التدقيق في إثبات الشهور كلّها ، لأنّ بعضها مبنيّ على بعض .
والطريقة الثالثة :
هي التقدير للهلال عند الغيم ، أو كما قال الحديث : « إذا غمّ عليكم » أو « غمي عليكم » أو
هامش
( 1 ) . ذكره في حاشية ابن عابدين نقلا عن البحر ، ج 2 ، ص 92 .
( 2 ) . انظر التعليق على المغني ، ج 3 ، ص 93 .
( 3 ) . انظر الاختيار في شرح المختار ، ج 1 ، ص 129 .