وجود دليل على اختصاص كلّ منهما بحكم .
فثبت بهذا أنّ رؤية الهلال في بلدة ما تعتبر رؤية لأهل تلك البلدة وغيرها من البلاد ولو بعدت ؛ لأنّ حديث « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » لا يختصّ بأهل بلد دون البلاد الأخرى ، بل هو خطاب عامّ لكلّ المسلمين ، فإذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون ، فيلزم غيرهم ما يلزمهم ، أي ما يلزم من رآه .
وقد ناقشوا أدلّة الرأي الأوّل . فقالوا : أمّا من قال بعدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل البلاد الأخرى التي لم تره ، وقولهم بأنّ ابن عبّاس عمل بذلك مستدلّين بحديث كريب ، نقول : إنّ عدم عمل ابن عبّاس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد ، وليس بحجّة .
كما أنّه لا يشكّ عالم بأنّ الأدلّة تقضي بأنّ أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض ، وشهادته في جميع الأحكام الشرعية يعمل بها والرؤية من جملتها ، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا ، فلا يقبل التخصيص إلّا بدليل .
ولو سلّم صلاحيّة حديث كريب هذا للتخصيص فينبغي أن يقتصر فيه على مورد النصّ إن كان النصّ معلوما ، أو على المفهوم منه إن لم يكن معلوما ، ولم يأت ابن عبّاس بلفظ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتّى ننظر في عمومه وخصوصه ، فلا ينهض مخصّصا لصريح الحديث الصحيح : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » « 1 » .
أمّا ما استدلّوا به بالقياس على اختلاف مواقيت الصلاة نقول : إنّه قياس مع الفارق ؛ لأنّ كلّا من السنّة والإجماع دلّ على اعتبار أثر اختلاف الشمس والفجر في اختلاف مواقيت الصلاة ، ولكن لم يدلّ شيء من السنّة والإجماع على مثل ذلك في الصوم « 2 » . علاوة على هذا أنّ بعد المسافات بين البلاد الإسلامية الآن لا يعتبر مشكلة في الزمن الحاضر ، خصوصا بعد أن توفّرت وسائل الاتّصال السريعة بينها .
والعلوم الفلكيّة تؤيّد توحيد أوّل الشهر الشرعي بين الحكومات الإسلامية ؛ لأنّ أقصى مدّة بين مطلع القمر في أقصى بلد إسلامي وبين مطلعه في أقصى بلد إسلامي آخر هي نحو
هامش
( 1 ) . نيل الأوطار ، ج 4 ، ص 195 .
( 2 ) . حاشية ابن عابدين ، ج 2 ، ص 99 .